البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة التوبة · الآية ٤٤

﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: { عفا الله عنك } أي: سامحك وغفر لك ما أجريت. { لم أذنت لهم } في التخلف { حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } بأن تمتحنهم، ليتبين لك الصادق من الكاذب، فتعذر من يستحق العذر ممن لا يستحق ذلك. ثم أخبر أن المؤمنين بالله واليوم الآخر، لا يستأذنون في ترك الجهاد بأموالهم وأنفسهم، لأن ما معهم من الرغبة في الخير والإيمان، يحملهم على الجهاد من غير أن يحثهم عليه حاث، فضلا عن كونهم يستأذنون في تركه من غير عذر. { والله عليم بالمتقين } فيجازيهم على ما قاموا به من تقواه، ومن علمه بالمتقين، أنه أخبر، أن من علاماتهم أنهم لا يستأذنون في ترك الجهاد. { إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم } أي: ليس لهم إيمان تام، ولا يقين صادق، فلذلك قلت رغبتهم في الخير، وجبنوا عن القتال، واحتاجوا أن يستأذنوا في ترك القتال. { فهم في ريبهم يترددون } أي: لا يزالون في الشك والحيرة.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ٤٣–٤٥) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حصين بن [يحيى بن] (1) سليمان الرازي (2) حدثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر (3) عن عون قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة فقال: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} وكذا قال مورق العجلي وغيره. وقال قتادة: عاتبه كما تسمعون، ثم أنزل التي في سورة النور، فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء: {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} [النور: 62] وكذا روي عن عطاء الخراساني. وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذنوا رسول الله فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا. ولهذا قال تعالى: {حتى يتبين لك الذين صدقوا} أي: في إبداء الأعذار، {وتعلم الكاذبين} (4) يقول تعالى: هلا تركتهم لما استأذنوك، فلم تأذن لأحد منهم في القعود، لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب، فإنهم قد كانوا مصرين على القعود عن الغزو [وإن لم تأذن لهم فيه. ولهذا أخبر تعالى أنه لا يستأذنه في القعود عن الغزو] (5) أحد يؤمن بالله ورسوله، فقال: {لا يستأذنك} أي: في القعود عن الغزو {الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم} ؛ لأن أولئك يرون الجهاد قربة، ولما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا. {والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك} أي: في القعود ممن لا عذر له {الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر} أي: لا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة على أعمالهم، {وارتابت قلوبهم} أي: شكت في صحة ما جئتهم به، {فهم في ريبهم يترددون} أي: يتحيرون، يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى، وليست لهم قدم ثابتة في شيء، فهم قوم حيارى هلكى، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا. يقول تعالى: {ولو أرادوا الخروج} أي: معك إلى الغزو {لأعدوا له عدة} أي: لكانوا تأهبوا له، {ولكن كره الله انبعاثهم} أي: أبغض أن يخرجوا معك (6) قدرا، {فثبطهم} أي: أخرهم، {وقيل اقعدوا مع القاعدين} أي: قدرا.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١٥٩) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الله صلى الله عليه وسلم في تركهم الخروج معه

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٤٧٩) ↗

التحرير والتنوير

و (حتى) غاية لفعل أذنت لأنه لما وقع في حيز الاستفهام الإنكاري كان في حكم المنفي فالمعنى: لا مقتضي للإذن لهم إلى أن يتبين الصادق من الكاذب. وفي زيادة لك بعد قوله: يتبين زيادة ملاطفة بأن العتاب ما كان إلا عن تفريط في شيء يعود نفعه إليه، والمراد بالذين صدقوا: الصادقون في إيمانهم، وبالكافرين الكاذبين فيما أظهروه من الإيمان، وهم المنافقون. فالمراد بالذين صدقوا المؤمنون. [44] 44] لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (44) هذه الجملة واقعة موقع البيان لجملة حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين [التوبة: 43] . وموقع التعليل لجملة لم أذنت لهم [التوبة: 43] أو هي استئناف بياني لما تثيره جملة حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين [التوبة: 43] والاعتبارات متقاربة ومآلها واحد. والمعنى: أن شأن المؤمنين الذين استنفروا أن لا يستأذنوا النبيء صلى الله عليه وسلم في التخلف عن الجهاد، فأما أهل الأعذار: كالعمي، فهم لا يستنفرهم النبيء صلى الله عليه وسلم، وأما الذين تخلفوا من المؤمنين فقد تخلفوا ولم يستأذنوا في التخلف، لأنهم كانوا على نية اللحاق بالجيش بعد خروجه. والاستئذان: طلب الإذن، أي في إباحة عمل وترك ضده، لأن شأن الإباحة أن تقتضي التخيير بين أحد أمرين متضادين. والاستئذان يعدى ب (في) . فقوله: أن يجاهدوا في محل جر ب (في) المحذوفة، وحذف الجار مع أن مطرد شائع. ولما كان الاستئذان يستلزم شيئين متضادين، كما قلنا، جاز أن يقال: استأذنت في كذا واستأذنت في ترك كذا. وإنما يذكر غالبا مع فعل الاستئذان الأمر الذي يرغب المستأذن الإذن فيه دون ضده وإن كان ذكر كليهما صحيحا.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢١١) ↗