سورة التوبة · الآية ١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: هذه براءة من الله ومن رسوله إلى جميع المشركين المعاهدين، أن لهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض على اختيارهم، آمنين من المؤمنين، وبعد الأربعة الأشهر فلا عهد لهم ولا ميثاق. وهذا لمن كان له عهد مطلق غير مقدر، أو مقدر بأربعة أشهر فأقل، أما من كان له عهد مقدر بزيادة على أربعة أشهر، فإن الله يتعين أن يتمم له عهده إذا لم يخف منه خيانة، ولم يبدأ بنقض العهد. ثم أنذر المعاهدين في مدة عهدهم، أنهم وإن كانوا آمنين، فإنهم لن يعجزوا الله ولن يفوتوه، وأنه من استمر منهم على شركه فإنه لا بد أن يخزيه، فكان هذا مما يجلبهم إلى الدخول في الإسلام، إلا من عاند وأصر ولم يبال بوعيد الله له.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التوبة ١–٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… في الأرض أربعة أشهر} اختلف المفسرون ها هنا اختلافا كثيرا، فقال قائلون: هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته، مهما كان؛ لقوله تعالى: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} [التوبة:4] ولما سيأتي في الحديث: "ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته". وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جرير، رحمه الله، وروي عن الكلبي ومحمد بن كعب القرظي، وغير واحد. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} قال: حد الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون في الأرض حيثما شاءوا، وأجل أجل من ليس له عهد، انسلاخ الأشهر الحرم، [من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، فذلك خمسون ليلة، فإذا انسلخ الأشهر الحرم] (2) أمره بأن يضع السيف فيمن لا عهد له. وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس. وقال [الضحاك] (3) بعد قوله: فذلك خمسون ليلة: فأمر الله نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبينه عهد، يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام. وأمر ممن كان له عهد إذا انسلخ أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر، أن يضع فيهم السيف (4) حتى يدخلوا في الإسلام. وقال أبو معشر المدني: حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الموسم سنة تسع، وبعث علي بن أبي طالب بثلاثين آية أو أربعين آية من "براءة" فقرأها
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/١٠٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
مرفوعة بمحذوف، وهو هذه، كما في قوله: {سورة أنزلناها} [النور: 1] مرفوعة بمحذوف هو هذه، ولو قال قائل: براءة مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله: {إلى الذين عاهدتم} [التوبة: 1] وجعلها كالمعرفة ترفع ما بعدها؛ إذ كانت قد صارت بصلتها وهي قوله: {من الله ورسوله} [البقرة: 279] كالمعرفة، وصار معنى الكلام: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، كان مذهبا غير مدفوعة صحته، وإن كان القول الأول أعجب إلي؛ لأن من شأن العرب أن يضمروا لكل معاين نكرة كان أو معرفة ذلك المعاين، هذا وهذه، فيقولون عند معاينتهم الشيء الحسن: حسن والله، والقبيح: قبيح والله، يريدون: هذا حسن والله، وهذا قبيح والله، فلذلك اخترت القول الأول. وقال: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم} [التوبة: 1] والمعنى: إلى الذين عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين؛ لأن العهود بين المسلمين والمشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يتولى عقدها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من يعقدها بأمره،
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٣٠٣) ↗التحرير والتنوير
عنه ابن وهب، وابن القاسم، وابن عبد الحكم: إنه لما سقط أولها، أي سورة براءة سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه. ويفسر كلامه ما قاله ابن عطية: روي عن مالك أنه قال: بلغنا أن سورة براءة كانت نحو سورة البقرة ثم نسخ ورفع كثير منها وفيه البسملة فلم يروا بعد أن يضعوه في غير موضعه. وما نسبه ابن عطية إلى مالك عزاه ابن العربي إلى ابن عجلان فلعل في «نسخة تفسير ابن عطية» نقصا. والذي وقفنا عليه من كلام مالك في ترك البسملة من سورة الأنفال وسورة براءة: هو ما في سماع ابن القاسم في أوائل كتاب الجامع الأول من «العتبية» «قال مالك في أول براءة إنما ترك من مضى أن يكتبوا في أول براءة بسم الله الرحمن الرحيم، كأنه رآه من وجه الاتباع في ذلك، كانت في آخر ما نزل من القرآن. وساق حديث ابن شهاب في سبب كتابة المصحف في زمن أبي بكر وكيف أخذ عثمان الصحف من حفصة أم المؤمنين وأرجعها إليها. قال ابن رشد في «البيان والتحصيل» «ما تأوله مالك من أنه إنما ترك من مضى أن يكتبوا في أول براءة بسم الله الرحمن الرحيم من وجه الاتباع، والمعنى فيه والله أعلم أنه إنما ترك عثمان بن عفان ومن كان بحضرته من الصحابة المجتمعين على جمع القرآن البسملة بين سورة الأنفال وبراءة، وإن كانتا سورتين بدليل أن براءة كانت آخر ما أنزل الله من القرآن، وأن الأنفال أنزلت في بدر سنة أربع، اتباعا لما وجدوه في الصحف التي جمعت على عهد أبي بكر وكانت عند حفصة» . ولم يذكر ابن رشد عن مالك قولا غير هذا. [1] 1] براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) افتتحت السورة كما تفتتح العهود وصكوك العقود بأدل كلمة على الغرض الذي يراد منها كما في قولهم: هذا ما عهد به فلان، وهذا ما اصطلح عليه فلان وفلان، وقول الموثقين: باع أو وكل أو تزوج، وذلك هو مقتضى الحال في إنشاء الرسائل والمواثيق ونحوها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/١٠٢) ↗