سورة الغاشية · الآية ٢٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى حثا للذين لا يصدقون الرسول صلى الله عليه وسلم، ولغيرهم من الناس، أن يتفكروا في مخلوقات الله الدالة على توحيده: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } أي: [ألا] ينظرون إلى خلقها البديع، وكيف سخرها الله للعباد، وذللها لمنافعهم الكثيرة التي يضطرون إليها. { وإلى الجبال كيف نصبت } بهيئة باهرة، حصل بها استقرار الأرض وثباتها عن الاضطراب، وأودع فيها من المنافع [الجليلة] ما أودع. { وإلى الأرض كيف سطحت } أي: مدت مدا واسعا، وسهلت غاية التسهيل، ليستقر الخلائق على ظهرها، ويتمكنوا من حرثها وغراسها، والبنيان فيها، وسلوك الطرق الموصلة إلى أنواع المقاصد فيها. واعلم أن تسطيحها لا ينافي أنها كرة مستديرة، قد أحاطت الأفلاك فيها من جميع جوانبها، كما دل على ذلك النقل والعقل والحس والمشاهدة، كما هو مذكور معروف عند أكثر الناس، خصوصا في هذه الأزمنة، التي وقف الناس على أكثر أرجائها بما أعطاهم الله من الأسباب المقربة للبعيد، فإن التسطيح إنما ينافي كروية الجسم الصغير جدا، الذي لو سطح لم يبق له استدارة تذكر. وأما جسم الأرض الذي هو في غاية الكبر والسعة، فيكون كرويا مسطحا، ولا يتنافى الأمران، كما يعرف ذلك أرباب الخبرة. { فذكر إنمآ أنت مذكر } أي: ذكر الناس وعظهم، وأنذرهم وبشرهم، فإنك مبعوث لدعوة الخلق إلى الله وتذكيرهم، ولم تبعث مسيطرا عليهم، مسلطا موكلا بأعمالهم، فإذا قمت بما عليك، فلا عليك بعد ذلك لوم، كقوله تعالى: ومآ أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق: 45]. وقوله: { إلا من تولى وكفر } أي: لكن من تولى عن الطاعة وكفر بالله { فيعذبه الله العذاب الأكبر } أي: الشديد الدائم، { إن إلينآ إيابهم } أي: رجوع الخليقة وجمعهم في يوم القيامة. { ثم إن علينا حسابهم } فنحاسبهم على ما عملوا من خير وشر.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الغاشية ١٧–٢٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى آمرا عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} ؟ فإنها خلق عجيب، وتركيبها غريب، فإنها في غاية القوة والشدة، وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، وتؤكل، وينتفع بوبرها، ويشرب لبنها. ونبهوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل، وكان شريح القاضي يقول: اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت؟ أي: كيف رفعها الله، عز وجل، عن الأرض هذا الرفع العظيم، كما قال تعالى: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج} [ق:6] {وإلى الجبال كيف نصبت} أي: جعلت منصوبة قائمة ثابتة راسية لئلا تميد الأرض بأهلها، وجعل فيها ما جعل من المنافع والمعادن. {وإلى الأرض كيف سطحت} ؟ أي: كيف بسطت ومدت ومهدت، فنبه البدوي على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه، والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته-على قدرة خالق ذلك وصانعه، وأنه الرب العظيم الخالق المتصرف المالك، وأنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه. وهكذا أقسم "ضمام" في سؤاله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، إنه أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك. قال: "صدق". قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله". قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله". قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله". قال: فبالذي خلق السماء والأرض ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٣٨٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أنت مذكر} [الغاشية: 21] يقول: إنما أرسلتك إليهم مذكرا، لتذكرهم نعمتي عندهم، وتعرفهم اللازم لهم، وتعظهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٣٤٠) ↗التحرير والتنوير
والمقصود من هذا الاعتراض الاحتراس من توهمهم أنهم أصبحوا آمنين من المؤاخذة على عدم التذكر. فحرف إلا للاستثناء المنقطع وهو بمعنى الاستدراك. والمعنى: لكن من تولى عن التذكر ودام على كفره يعذبه الله العذاب الشديد. ودخلت الفاء في الخبر وهو فيعذبه الله إذ كان الكلام استدراكا وكان المبتدأ موصولا فأشبه بموقعه وبعمومه الشروط فأدخلت الفاء في جوابه ومثله كثير كقوله تعالى: والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم [محمد: 4] . والأكبر: مستعار للقوي المتجاوز حد أنواعه. [25، 26] إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (26) تعليل لجملة: لست عليهم بمصيطر [الغاشية: 22] ، أي لست مكلفا بجبرهم على التذكر والإيمان لأنا نحاسبهم حين رجوعهم إلينا في دار البقاء. وقد جاء حرف إن على استعماله المشهور، إذا جيء به المجرد الاهتمام دون رد إنكار، فإنه يفيد مع ذلك تعليلا وتسببا كما تقدم غير مرة، وتقدم عند قوله: إنك أنت العليم الحكيم في سورة البقرة [32] . والإياب: بتخفيف الياء الأوب، أي الرجوع إلى المكان الذي صدر عنه. أطلق على الحضور في حضرة القدس يوم الحشر تشبيها له بالرجوع إلى المكان الذي خرج منه بملاحظة أن الله خالق الناس خلقهم الأول، فشبهت إعادة خلقهم وإحضارهم لديه برجوع المسافر إلى مقره كما قال تعالى: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك [الفجر: 27، 28] . وتقديم خبر إن على اسمها يظهر أنه لمجرد الاهتمام تحقيقا لهذا الرجوع لأنهم ينكرونه، وتنبيها على إمكانه بأنه رجوع إلى الذي أنشأهم أول مرة. ونقل الكلام من أسلوب الغيبة في قوله: فيعذبه الله [الغاشية: 24] إلى أسلوب التكلم بقوله: إلينا على طريقة الالتفات.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٠٨) ↗