سورة الغاشية · الآية ٢٢
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى حثا للذين لا يصدقون الرسول صلى الله عليه وسلم، ولغيرهم من الناس، أن يتفكروا في مخلوقات الله الدالة على توحيده: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } أي: [ألا] ينظرون إلى خلقها البديع، وكيف سخرها الله للعباد، وذللها لمنافعهم الكثيرة التي يضطرون إليها. { وإلى الجبال كيف نصبت } بهيئة باهرة، حصل بها استقرار الأرض وثباتها عن الاضطراب، وأودع فيها من المنافع [الجليلة] ما أودع. { وإلى الأرض كيف سطحت } أي: مدت مدا واسعا، وسهلت غاية التسهيل، ليستقر الخلائق على ظهرها، ويتمكنوا من حرثها وغراسها، والبنيان فيها، وسلوك الطرق الموصلة إلى أنواع المقاصد فيها. واعلم أن تسطيحها لا ينافي أنها كرة مستديرة، قد أحاطت الأفلاك فيها من جميع جوانبها، كما دل على ذلك النقل والعقل والحس والمشاهدة، كما هو مذكور معروف عند أكثر الناس، خصوصا في هذه الأزمنة، التي وقف الناس على أكثر أرجائها بما أعطاهم الله من الأسباب المقربة للبعيد، فإن التسطيح إنما ينافي كروية الجسم الصغير جدا، الذي لو سطح لم يبق له استدارة تذكر. وأما جسم الأرض الذي هو في غاية الكبر والسعة، فيكون كرويا مسطحا، ولا يتنافى الأمران، كما يعرف ذلك أرباب الخبرة. { فذكر إنمآ أنت مذكر } أي: ذكر الناس وعظهم، وأنذرهم وبشرهم، فإنك مبعوث لدعوة الخلق إلى الله وتذكيرهم، ولم تبعث مسيطرا عليهم، مسلطا موكلا بأعمالهم، فإذا قمت بما عليك، فلا عليك بعد ذلك لوم، كقوله تعالى: ومآ أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق: 45]. وقوله: { إلا من تولى وكفر } أي: لكن من تولى عن الطاعة وكفر بالله { فيعذبه الله العذاب الأكبر } أي: الشديد الدائم، { إن إلينآ إيابهم } أي: رجوع الخليقة وجمعهم في يوم القيامة. { ثم إن علينا حسابهم } فنحاسبهم على ما عملوا من خير وشر.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الغاشية ١٧–٢٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
نقلهما (1) ابن جرير، أي: لا نسألك عن كفر من كفر بك، {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد:40] وكقوله تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر* لست عليهم بمصيطر} الآية [الغاشية: 21، 22] وكقوله تعالى: {نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} [ق: 45] وأشباه ذلك من الآيات. وقرأ آخرون (2) "ولا تسأل عن أصحاب الجحيم" بفتح التاء على النهي، أي: لا تسأل عن حالهم، كما قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليت شعري ما فعل أبواي، ليت شعري ما فعل أبواي، ليت شعري ما فعل أبواي؟ ". فنزلت: {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} فما ذكرهما (3) حتى توفاه الله، عز وجل. ورواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن وكيع، عن موسى بن عبيدة، [وقد تكلموا فيه عن محمد بن كعب] (4) بمثله (5) وقد حكاه القرطبي عن ابن عباس ومحمد بن كعب قال القرطبي: وهذا كما يقال لا تسأل عن فلان؛ أي: قد بلغ فوق ما تحسب، وقد ذكرنا في التذكرة أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا، وأجبنا عن قوله: (إن أبي وأباك في النار) . (قلت) : والحديث المروي في حياة أبويه عليه السلام ليس في شيء من الكتب الستة ولا غيرها، وإسناده ضعيف والله أعلم. ثم قال [ابن جرير] (6) وحدثني القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن جريج، أخبرني داود بن أبي عاصم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: "أين أبواي؟ ". فنزلت: {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} (7) . وهذا مرسل كالذي قبله. وقد رد ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب [القرظي] (8) وغيره في ذلك، لاستحالة الشك من الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر أبويه. واختار القراءة الأولى. وهذا الذي سلكه هاهنا فيه نظر، لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه قبل أن يعلم أمرهما، فلما علم ذلك تبرأ منهما، وأخبر عنهما أنهما من أهل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أنت مذكر} [الغاشية: 21] يقول: إنما أرسلتك إليهم مذكرا، لتذكرهم نعمتي عندهم، وتعرفهم اللازم لهم، وتعظهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٣٤٠) ↗التحرير والتنوير
وأتبع ذكر السماء بذكر الجبال وكانت الجبال منازل لكثير منهم مثل جبلي أجأ وسلمى لطي. وينزلون سفوحها ليكونوا أقرب إلى الاعتصام بها عند الخوف ويتخذون فيها مراقب للحراسة. والنصب: الرفع أي كيف رفعت وهي مع ارتفاعها ثابتة راسخة لا تميل. وثم نزل بأنظارهم إلى الأرض وهي تحت أقدامهم وهي مرعاهم ومفترشهم، وقد سطحها الله، أي خلقها ممهدة للمشي والجلوس والاضطجاع. ومعنى سطحت: سويت يقال: سطح الشيء إذا سواه ومنه سطح الدار. والمراد بالأرض أرض كل قوم لا مجموع الكرة الأرضية. وبنيت الأفعال الأربعة إلى المجهول للعلم بفاعل ذلك. [21- 24] 24] فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22) إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله العذاب الأكبر (24) الفاء فصيحة تفريع على محصل ما سبق من أول السورة الذي هو التذكير بالغاشية وما اتصل به من ذكر إعراضهم وإنذارهم، رتب على ذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالدوام على تذكيرهم وأنه لا يؤيسه إصرارهم على الإعراض وعدم ادكارهم بما ألقى إليهم من المواعظ، وتثبيته بأنه لا تبعة عليه من عدم إصغائهم إذ لم يبعث ملجئا لهم على الإيمان. فالأمر مستعمل في طلب الاستمرار والدوام. ومفعول «ذكر» محذوف هو ضمير يدل عليه قوله بعده لست عليهم بمصيطر وجملة إنما أنت مذكر تعليل للأمر بالدوام على التذكير مع عدم إصغائهم لأن إنما مركبة من (أن) و (ما) وشأن (إن) إذا وردت بعد جملة أن تفيد التعليل وتغني غناء فاء التسبب، واتصال (ما) الكافة بها لا يخرجها عن مهيعها. والقصر المستفاد ب إنما قصر إضافي، أي أنت مذكر لست وكيلا على
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٠٦) ↗