البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة الغاشية · الآية ٢١

﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى حثا للذين لا يصدقون الرسول صلى الله عليه وسلم، ولغيرهم من الناس، أن يتفكروا في مخلوقات الله الدالة على توحيده: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } أي: [ألا] ينظرون إلى خلقها البديع، وكيف سخرها الله للعباد، وذللها لمنافعهم الكثيرة التي يضطرون إليها. { وإلى الجبال كيف نصبت } بهيئة باهرة، حصل بها استقرار الأرض وثباتها عن الاضطراب، وأودع فيها من المنافع [الجليلة] ما أودع. { وإلى الأرض كيف سطحت } أي: مدت مدا واسعا، وسهلت غاية التسهيل، ليستقر الخلائق على ظهرها، ويتمكنوا من حرثها وغراسها، والبنيان فيها، وسلوك الطرق الموصلة إلى أنواع المقاصد فيها. واعلم أن تسطيحها لا ينافي أنها كرة مستديرة، قد أحاطت الأفلاك فيها من جميع جوانبها، كما دل على ذلك النقل والعقل والحس والمشاهدة، كما هو مذكور معروف عند أكثر الناس، خصوصا في هذه الأزمنة، التي وقف الناس على أكثر أرجائها بما أعطاهم الله من الأسباب المقربة للبعيد، فإن التسطيح إنما ينافي كروية الجسم الصغير جدا، الذي لو سطح لم يبق له استدارة تذكر. وأما جسم الأرض الذي هو في غاية الكبر والسعة، فيكون كرويا مسطحا، ولا يتنافى الأمران، كما يعرف ذلك أرباب الخبرة. { فذكر إنمآ أنت مذكر } أي: ذكر الناس وعظهم، وأنذرهم وبشرهم، فإنك مبعوث لدعوة الخلق إلى الله وتذكيرهم، ولم تبعث مسيطرا عليهم، مسلطا موكلا بأعمالهم، فإذا قمت بما عليك، فلا عليك بعد ذلك لوم، كقوله تعالى: ومآ أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق: 45]. وقوله: { إلا من تولى وكفر } أي: لكن من تولى عن الطاعة وكفر بالله { فيعذبه الله العذاب الأكبر } أي: الشديد الدائم، { إن إلينآ إيابهم } أي: رجوع الخليقة وجمعهم في يوم القيامة. { ثم إن علينا حسابهم } فنحاسبهم على ما عملوا من خير وشر.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الغاشية ١٧–٢٦) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى آمرا عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} ؟ فإنها خلق عجيب، وتركيبها غريب، فإنها في غاية القوة والشدة، وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، وتؤكل، وينتفع بوبرها، ويشرب لبنها. ونبهوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل، وكان شريح القاضي يقول: اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت؟ أي: كيف رفعها الله، عز وجل، عن الأرض هذا الرفع العظيم، كما قال تعالى: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج} [ق:6] {وإلى الجبال كيف نصبت} أي: جعلت منصوبة قائمة ثابتة راسية لئلا تميد الأرض بأهلها، وجعل فيها ما جعل من المنافع والمعادن. {وإلى الأرض كيف سطحت} ؟ أي: كيف بسطت ومدت ومهدت، فنبه البدوي على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه، والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته-على قدرة خالق ذلك وصانعه، وأنه الرب العظيم الخالق المتصرف المالك، وأنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه. وهكذا أقسم "ضمام" في سؤاله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، إنه أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك. قال: "صدق". قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله". قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله". قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله". قال: فبالذي خلق السماء والأرض ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٣٨٧) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

أنت مذكر} [الغاشية: 21] يقول: إنما أرسلتك إليهم مذكرا، لتذكرهم نعمتي عندهم، وتعرفهم اللازم لهم، وتعظهم

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٣٤٠) ↗

التحرير والتنوير

وأتبع ذكر السماء بذكر الجبال وكانت الجبال منازل لكثير منهم مثل جبلي أجأ وسلمى لطي. وينزلون سفوحها ليكونوا أقرب إلى الاعتصام بها عند الخوف ويتخذون فيها مراقب للحراسة. والنصب: الرفع أي كيف رفعت وهي مع ارتفاعها ثابتة راسخة لا تميل. وثم نزل بأنظارهم إلى الأرض وهي تحت أقدامهم وهي مرعاهم ومفترشهم، وقد سطحها الله، أي خلقها ممهدة للمشي والجلوس والاضطجاع. ومعنى سطحت: سويت يقال: سطح الشيء إذا سواه ومنه سطح الدار. والمراد بالأرض أرض كل قوم لا مجموع الكرة الأرضية. وبنيت الأفعال الأربعة إلى المجهول للعلم بفاعل ذلك. [21- 24] 24] فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22) إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله العذاب الأكبر (24) الفاء فصيحة تفريع على محصل ما سبق من أول السورة الذي هو التذكير بالغاشية وما اتصل به من ذكر إعراضهم وإنذارهم، رتب على ذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالدوام على تذكيرهم وأنه لا يؤيسه إصرارهم على الإعراض وعدم ادكارهم بما ألقى إليهم من المواعظ، وتثبيته بأنه لا تبعة عليه من عدم إصغائهم إذ لم يبعث ملجئا لهم على الإيمان. فالأمر مستعمل في طلب الاستمرار والدوام. ومفعول «ذكر» محذوف هو ضمير يدل عليه قوله بعده لست عليهم بمصيطر وجملة إنما أنت مذكر تعليل للأمر بالدوام على التذكير مع عدم إصغائهم لأن إنما مركبة من (أن) و (ما) وشأن (إن) إذا وردت بعد جملة أن تفيد التعليل وتغني غناء فاء التسبب، واتصال (ما) الكافة بها لا يخرجها عن مهيعها. والقصر المستفاد ب إنما قصر إضافي، أي أنت مذكر لست وكيلا على

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٠٦) ↗