سورة الأعلى · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى بتسبيحه المتضمن لذكره وعبادته، والخضوع لجلاله، والاستكانة لعظمته، وأن يكون تسبيحا، يليق بعظمة الله تعالى، بأن تذكر أسماؤه الحسنى العالية على كل اسم بمعناها الحسن العظيم، وتذكر أفعاله التي منها أنه خلق المخلوقات فسواها، أي: أتقنها وأحسن خلقها، { والذي قدر } تقديرا، تتبعه جميع المقدرات { فهدى } إلى ذلك جميع المخلوقات. وهذه الهداية العامة، التي مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته، وتذكر فيها نعمه الدنيوية، ولهذا قال فيها: { والذي أخرج المرعى } أي: أنزل من السماء ماء فأنبت به أنواع النبات والعشب الكثير، فرتع فيها الناس والبهائم وكل حيوان، ثم بعد أن استكمل ما قدر له من الشباب، ألوى نباته، وصوح عشبه، { فجعله غثآء أحوى } أي: أسود أي: جعله هشيما رميما، ويذكر فيها نعمه الدينية، ولهذا امتن الله بأصلها ومنشئها، وهو القرآن، فقال: { سنقرئك فلا تنسى } أي: سنحفظ ما أوحينا إليك من الكتاب، ونوعيه قلبك، فلا تنسى منه شيئا، وهذه بشارة كبيرة من الله لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أن الله سيعلمه علما لا ينساه، { إلا ما شآء الله } مما اقتضت حكمته أن ينسيكه لمصلحة بالغة، { إنه يعلم الجهر وما يخفى } ومن ذلك أنه يعلم ما يصلح عباده أي: فلذلك يشرع ما أراد، ويحكم بما يريد، { ونيسرك لليسرى } وهذه أيضا بشارة كبيرة، أن الله ييسر رسوله صلى الله عليه وسلم لليسرى في جميع أموره، ويجعل شرعه ودينه يسرا. { فذكر } بشرع الله وآياته { إن نفعت الذكرى } أي: ما دامت الذكرى مقبولة، والموعظة مسموعة، سواء حصل من الذكرى جميع المقصود أو بعضه. ومفهوم الآية أنه إن لم تنفع الذكرى، بأن كان التذكير يزيد في الشر، أو ينقص من الخير، لم تكن الذكرى مأمورا بها، بل منهيا عنها، فالذكرى ينقسم الناس فيها قسمين: منتفعون وغير منتفعين. فأما المنتفعون، فقد ذكرهم بقوله: { سيذكر من يخشى } الله تعالى، فإن خشية الله تعالى، وعلمه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
بعد الاجتهاد والحرص، وفي حديث ابن مسعود أدب في التعبير عن حصول ذلك، فلا يقول: نسيت آية كذا، فإن النسيان ليس من فعل العبد، وقد يصدر عنه أسبابه من التناسي والتغافل والتهاون المفضي إلى ذلك، فأما النسيان نفسه فليس بفعله؛ ولهذا قال: "بل هو نسي"، مبني لما لم يسم فاعله، وأدب -أيضا-في ترك إضافة ذلك إلى الله تعالى، وقد أسند النسيان إلى العبد في قوله: {واذكر ربك إذا نسيت} [الكهف: 24] وهو، والله أعلم، من باب المجاز السائغ بذكر المسبب وإرادة السبب؛ لأن النسيان إنما يكون عن سبب قد يكون ذنبا، كما تقدم عن الضحاك بن مزاحم، فأمر الله تعالى بذكره ليذهب الشيطان عن القلب كما يذهب عند النداء بالأذان، والحسنة تذهب السيئة، فإذا زال السبب للنسيان انزاح، فحصل الذكر لشيء بسبب ذكر الله تعالى، والله أعلم. حدثنا عمر بن حفص بن غياث (1) حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثني إبراهيم، عن علقمة وعبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأ بهما في ليلة كفتاه " (2) . وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة من حديث عبد الرحمن بن يزيد وصاحبا الصحيح والنسائي وابن ماجه من حديث علقمة، كلاهما عن أبي مسعود عقبة بن عامر الأنصاري البكري (3) . الحديث الثاني: ما رواه من حديث الزهري، عن عروة، عن المسور وعبد الرحمن بن عبد القارئ، كلاهما عن عمر قال: سمعت هشام بن حكيم [بن حزام] (4) يقرأ سورة الفرقان ... وذكر الحديث بطوله، كما تقدم، وكما سيأتي (5) . الحديث الثالث: ما رواه من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: " سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قارئا يقرأ من الليل في المسجد، فقال: "يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية، كنت أسقطتهن من سورة كذا وكذا " (6) . وهكذا في الصحيحين عن ابن مسعود: أنه كان يرمي الجمرة من الوادي ويقول: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة (7) …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لا رب أعلى منه وأعظم. وكان بعضهم إذا قرأ ذلك قال: سبحان ربي الأعلى
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٣٠٩) ↗التحرير والتنوير
وما اشتملت عليه من المعاني يشهد لكونها مكية وحسبك بقوله تعالى: سنقرئك فلا تنسى [الأعلى: 6] . وهي معدودة ثامنة في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد نزلت بعد سورة التكوير وقبل سورة الليل. وروي عن ابن عباس وعكرمة والحسن أنها سابعة قالوا: أول ما نزل من القرآن: اقرأ باسم ربك، ثم ن، ثم المزمل، ثم المدثر، ثم تبت، ثم إذا الشمس كورت، ثم سبح اسم ربك. وأما جابر بن زيد فعد الفاتحة بعد المدثر ثم عد البقية فهي عنده ثامنة، فهي من أوائل السور وقوله تعالى: سنقرئك فلا تنسى ينادي على ذلك. وعدد آيها تسع عشرة آية باتفاق أهل العدد. اشتملت على تنزيه الله تعالى والإشارة إلى وحدانيته لانفراده بخلق الإنسان وخلق ما في الأرض مما فيه بقاؤه. وعلى تأييد النبيء صلى الله عليه وسلم وتثبيته على تلقي الوحي. وأن الله معطيه شريعة سمحة وكتابا يتذكر به أهل النفوس الزكية الذين يخشون ربهم، ويعرض عنهم أهل الشقاوة الذين يؤثرون الحياة الدنيا ولا يعبأون بالحياة الأبدية. وأن ما أوحي إليه يصدقه ما في كتب الرسل من قبله وذلك كله تهوين لما يلقاه من إعراض المشركين. [1- 5] 5] بسم الله الرحمن الرحيم سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) والذي أخرج المرعى (4) فجعله غثاء أحوى (5) الافتتاح بأمر النبيء صلى الله عليه وسلم بأن يسبح اسم ربه بالقول، يؤذن بأنه سيلقي إليه عقبه بشارة وخيرا له وذلك قوله: سنقرئك فلا تنسى [الأعلى: 6] الآيات كما سيأتي ففيه براعة استهلال.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٢٧٢) ↗