سورة الأعلى · الآية ١٩
﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى بتسبيحه المتضمن لذكره وعبادته، والخضوع لجلاله، والاستكانة لعظمته، وأن يكون تسبيحا، يليق بعظمة الله تعالى، بأن تذكر أسماؤه الحسنى العالية على كل اسم بمعناها الحسن العظيم، وتذكر أفعاله التي منها أنه خلق المخلوقات فسواها، أي: أتقنها وأحسن خلقها، { والذي قدر } تقديرا، تتبعه جميع المقدرات { فهدى } إلى ذلك جميع المخلوقات. وهذه الهداية العامة، التي مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته، وتذكر فيها نعمه الدنيوية، ولهذا قال فيها: { والذي أخرج المرعى } أي: أنزل من السماء ماء فأنبت به أنواع النبات والعشب الكثير، فرتع فيها الناس والبهائم وكل حيوان، ثم بعد أن استكمل ما قدر له من الشباب، ألوى نباته، وصوح عشبه، { فجعله غثآء أحوى } أي: أسود أي: جعله هشيما رميما، ويذكر فيها نعمه الدينية، ولهذا امتن الله بأصلها ومنشئها، وهو القرآن، فقال: { سنقرئك فلا تنسى } أي: سنحفظ ما أوحينا إليك من الكتاب، ونوعيه قلبك، فلا تنسى منه شيئا، وهذه بشارة كبيرة من الله لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أن الله سيعلمه علما لا ينساه، { إلا ما شآء الله } مما اقتضت حكمته أن ينسيكه لمصلحة بالغة، { إنه يعلم الجهر وما يخفى } ومن ذلك أنه يعلم ما يصلح عباده أي: فلذلك يشرع ما أراد، ويحكم بما يريد، { ونيسرك لليسرى } وهذه أيضا بشارة كبيرة، أن الله ييسر رسوله صلى الله عليه وسلم لليسرى في جميع أموره، ويجعل شرعه ودينه يسرا. { فذكر } بشرع الله وآياته { إن نفعت الذكرى } أي: ما دامت الذكرى مقبولة، والموعظة مسموعة، سواء حصل من الذكرى جميع المقصود أو بعضه. ومفهوم الآية أنه إن لم تنفع الذكرى، بأن كان التذكير يزيد في الشر، أو ينقص من الخير، لم تكن الذكرى مأمورا بها، بل منهيا عنها، فالذكرى ينقسم الناس فيها قسمين: منتفعون وغير منتفعين. فأما المنتفعون، فقد ذكرهم بقوله: { سيذكر من يخشى } الله تعالى، فإن خشية الله تعالى، وعلمه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل (2) . وهذا منه على وجه التواضع والهضم، أو هو إخبار عن الجنس من حيث (3) هو، والله أعلم. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى". تفرد به أحمد. وقد رواه أيضا عن أبي سلمة الخزاعي، عن الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، به مثله سواء (4) . وقوله: {إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى} قال الحافظ أبو بكر البزار:
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٣٨٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٣١٨) ↗التحرير والتنوير
ويجيء فيه الوجهان المتقدمان من الخطاب والغيبة على القراءتين. والإيثار: اختيار شيء من بين متعدد. والمعنى: تؤثرون الحياة الدنيا بعنايتكم واهتمامكم. ولم يذكر المؤثر عليه لأن الحياة الدنيا تدل عليه، أي لا تتأملون فيما عدا حياتكم هذه ولا تتأملون في حياة ثانية، فالمشركون لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكروا بالحياة الآخرة وأخبروا بها لم يعيروا سمعهم ذلك وجعلوا ذلك من الكلام الباطل وهذا مورد التوبيخ. واعلم أن للمؤمنين حظا من هذه الموعظة على طول الدهر، وذلك حظ مناسب لمقدار ما يفرط فيه أحدهم مما ينجيه في الآخرة إيثارا لما يجتنيه من منافع الدنيا التي تجر إليه تبعة في الآخرة على حسب ما جاءت به الشريعة، فأما الاستكثار من منافع الدنيا مع عدم إهمال أسباب النجاة في الآخرة فذلك ميدان للهمم وليس ذلك بمحل ذم قال تعالى: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا [القصص: 77] . وجملة: والآخرة خير وأبقى عطف على جملة التوبيخ عطف الخبر على الإنشاء لأن هذا الخبر يزيد إنشاء التوبيخ توجيها وتأييدا بأنهم في إعراضهم عن النظر في دلائل حياة آخرة قد أعرضوا عما هو خير وأبقى. وأبقى: اسم تفضيل، أي أطول بقاء، وفي حديث النهي عن جر الإزار «وليكن إلى الكعبين فإنه أتقى وأبقى» . [18، 19] إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى (19) تذييل للكلام وتنويه به بأنه من الكلام النافع الثابت في كتب إبراهيم موسى عليهما السلام، قصد به الإبلاغ للمشركين الذين كانوا يعرفون رسالة إبراهيم ورسالة موسى، ولذلك أكد هذا الخبر ب إن ولام الابتداء لأنه مسوق إلى المنكرين.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٢٩٠) ↗