البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة المطففين · الآية ٣٦

﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما ذكر تعالى جزاء المجرمين وجزاء المؤمنين و [ذكر] ما بينهما من التفاوت العظيم، أخبر أن المجرمين كانوا في الدنيا يسخرون بالمؤمنين، ويستهزؤون بهم، ويضحكون منهم، ويتغامزون بهم عند مرورهم عليهم، احتقارا لهم وازدراء، ومع هذا تراهم مطمئنين، لا يخطر الخوف على بالهم، { وإذا انقلبوا إلى أهلهم } صباحا أو مساء { انقلبوا فكهين } أي: مسرورين مغتبطين، وهذا من أعظم ما يكون من الاغترار، أنهم جمعوا بين غاية الإساءة والأمن في الدنيا، حتى كأنهم قد جاءهم كتاب من الله وعهد، أنهم من أهل السعادة، وقد حكموا لأنفسهم أنهم أهل الهدى، وأن المؤمنين ضالون، افتراء على الله، وتجرؤوا على القول عليه بلا علم. قال تعالى: { ومآ أرسلوا عليهم حافظين } أي: وما أرسلوا وكلاء على المؤمنين ملزمين بحفظ أعمالهم، حتى يحرصوا على رميهم بالضلال، وما هذا منهم إلا تعنت وعناد وتلاعب، ليس له مستند ولا برهان، ولهذا كان جزاؤهم في الآخرة من جنس عملهم، قال تعالى: { فاليوم } أي: يوم القيامة، { الذين آمنوا من الكفار يضحكون } حين يرونهم في غمرات العذاب يتقلبون، وقد ذهب عنهم ما كانوا يفترون، والمؤمنون في غاية الراحة والطمأنينة { على الأرآئك } وهي السرر المزينة، { ينظرون } إلى ما أعد الله لهم من النعيم، وينظرون إلى وجه ربهم الكريم. { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } أي: هل جوزوا من جنس عملهم؟ فكما ضحكوا في الدنيا من المؤمنين ورموهم بالضلال، ضحك المؤمنون منهم في الآخرة، ورأوهم في العذاب والنكال، الذي هو عقوبة الغي والضلال. نعم، ثوبوا ما كانوا يفعلون، عدلا من الله وحكمة، والله عليم حكيم.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المطففين ٢٩–٣٦) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

أي: مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة الله عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحتقرونهم ويحسدونهم، {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} أي: لكونهم على غير دينهم، قال الله تعالى: {وما أرسلوا عليهم حافظين} أي: وما بعث هؤلاء المجرمون (1) حافظين على هؤلاء المؤمنين ما يصدر من أعمالهم وأقوالهم، ولا كلفوا بهم؟ فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم، كما قال تعالى: {قال اخسئوا فيها ولا تكلمون إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون} [المؤمنون: 108 -111] . ولهذا قال هاهنا: {فاليوم} يعني: يوم القيامة {الذين آمنوا من الكفار يضحكون} أي: في مقابلة ما ضحك بهم أولئك، {على الأرائك ينظرون} أي: إلى الله عز وجل، في مقابلة من زعم فيهم أنهم ضالون، ليسوا بضالين، بل هم من أولياء الله المقربين، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته. وقوله: {هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون} ؟ أي: هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله. آخر [تفسير سورة] (2) "المطففين".

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٣٥٤) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الحجال ينظرون إليهم، وهم في الجنة، والكفار في النار يعذبون وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٢٢٧) ↗

التحرير والتنوير

إلى هنا مزيد اتضاح، وذلك مما أغفل المفسرون العناية بتوضيحه، سوى أن ابن عطية أورد كلمة مجملة فقال: «ولما كانت الآيات المتقدمة قد نيطت بيوم القيامة وأن الويل يومئذ للمكذبين ساغ أن يقول: فاليوم على حكاية ما يقال اه. وإذا في المواضع الثلاثة مستعمل للزمان الماضي كقوله تعالى: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا [التوبة: 92] وقوله: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به [النساء: 83] . والمقصود من ذكره أنه بعد أن ذكر حال المشركين على حدة، وذكر حال المسلمين على حدة، أعقب بما فيه صفة لعاقبة المشركين في معاملتهم للمؤمنين في الدنيا ليعلموا جزاء الفريقين معا. وإصدار ذلك المقال يوم القيامة مستعمل في التنديم والتشميت كما اقتضته خلاصته من قوله: فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون إلى آخر السورة. والافتتاح ب إن الذين أجرموا بصورة الكلام المؤكد لإفادة الاهتمام بالكلام وذلك كثير في افتتاح الكلام المراد إعلانه ليتوجه بذلك الافتتاح جميع السامعين إلى استماعه للإشعار بأنه خبر مهم. والمراد ب الذين أجرموا المشركون من أهل مكة وخاصة صناديدهم. وهم أبو جهل، والوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والعاص بن هشام، والنضر بن الحارث، كانوا يضحكون من عمار بن ياسر، وخباب بن الأرت، وبلال، وصهيب، ويستهزئون بهم. وعبر بالموصول وهذه الصلة: الذين أجرموا للتنبيه على أن ما أخبر به عنهم هو إجرام، وليظهر موقع قوله: هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون [المطففين: 36] . والإجرام: ارتكاب الجرم وهو الإثم العظيم، وأعظم بالإجرام الكفر ويؤذن تركيب «كانوا يضحكون» بأن ذلك صفة ملازمة لهم في الماضي، وصوغ يضحكون بصيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم وأنه ديدن لهم.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٢١٠) ↗