سورة الانفطار · الآية ١٤
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال تعالى: {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} [الانفطار: 10 -14] ، قال: {إنما تجزون ما كنتم تعملون} [الطور: 16] وقال: {من يعمل سوءا يجز به} [النساء: 123] . والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه، قليله وكثيره، ويكتب عليه ليلا ونهارا، صباحا ومساء. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى الزبير، عن جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لطائر كل إنسان في عنقه". قال ابن لهيعة: يعني الطيرة (1) . وهذا القول من ابن لهيعة في تفسير هذا الحديث، غريب جدا، والله أعلم. وقوله [تعالى] (2) {ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} أي: نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة، إما بيمينه إن كان سعيدا، أو بشماله إن كان شقيا {منشورا} أي: مفتوحا يقرؤه هو وغيره، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} [القيامة: 13 -15] ، ولهذا قال تعالى: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} أي: إنك (3) تعلم أنك لم تظلم ولم يكتب عليك غير ما عملت؛ لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئا مما كان منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي. وقوله [تعالى] (4) {ألزمناه طائره في عنقه} إنما ذكر العنق؛ لأنه عضو لا نظير له في (5) الجسد، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه، كما قال الشاعر: (6) . اذهب بها اذهب بها %~% طوقتها طوق الحمامة قال قتادة، عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه (7) عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا عدوى ولا طيرة وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه". كذا رواه ابن جرير (8) . وقد رواه الإمام عبد بن حميد، رحمه الله، في مسنده متصلا فقال: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر [رضي الله عنه] (9) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[الانفطار: 14]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/١٨٢) ↗التحرير والتنوير
ومن الضبط فيما يجري على يديه بحيث لا تضيع المصالح العامة ولا الخاصة بأن يكون ما يصدره مكتوبا، أو كالمكتوب مضبوطا لا يستطاع تغييره، ويمكن لكل من يقوم بذلك العمل بعد القائم به، أو في مغيبه أن يعرف ماذا أجري فيه من الإعمال، وهذا أصل عظيم في وضع الملفات للنوازل والتراتيب، ومنه نشأت دواوين القضاة، ودفاتر الشهود، والخطاب على الرسوم، وإخراج نسخ الأحكام والأحباس وعقود النكاح. ومن إحاطة العلم بما يتعلق بالأحوال التي تسند إلى المؤتمن عليها بحيث لا يستطيع أحد من المخالطين لوظيفه أن يموه عليه شيئا، أو أن يلبس عليه حقيقة بحيث ينتفي عنه الغلط والخطأ في تمييز الأمور بأقصى ما يمكن، ويختلف العلم المطلوب باختلاف الأعمال فيقدم في كل ولاية من هو أعلم بما تقتضيه ولايته من الأعمال وما تتوقف عليه من المواهب والدراية، فليس ما يشترط في القاضي يشترط في أمير الجيش مثلا، وبمقدار التفاوت في الخصال التي تقتضيها إحدى الولايات يكون ترجيح من تسند إليه الولاية على غيره حرصا على حفظ مصالح الأمة، فيقدم في كل ولاية من هو أقوى كفاءة لإتقان أعمالها وأشد اضطلاعا بممارستها. [13- 16] إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) يصلونها يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) فصلت هذه الجملة عن التي قبلها لأنها استئناف بياني جواب عن سؤال يخطر في نفس السامع يثيره قوله: بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين [الانفطار: 9، 10] الآية لتشوف النفس إلى معرفة هذا الجزاء ما هو، وإلى معرفة غاية إقامة الملائكة لإحصاء الأعمال ما هي، فبين ذلك بقوله: إن الأبرار لفي نعيم الآية. وأيضا تتضمن هذه الجملة تقسيم أصحاب الأعمال فهي تفصيل لجملة يعلمون ما تفعلون [الانفطار: 12] وذلك من مقتضيات فصل الجملة عن التي قبلها. وجيء بالكلام مؤكدا ب إن ولا الابتداء ليساوي البيان مبينه في التحقيق ودفع الإنكار.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/١٨١) ↗