سورة التكوير · الآية ٢٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أقسم تعالى { بالخنس } وهي الكواكب التي تخنس أي: تتأخر عن سير الكواكب المعتاد إلى جهة المشرق، وهي النجوم السبعة السيارة: " الشمس " ، و " القمر " ، و " الزهرة " ، و " المشترى " ، و " المريخ " ، و " زحل " ، و " عطارد " ، فهذه السبعة لها سيران: سير إلى جهة المغرب مع باقي الكواكب والأفلاك، وسير معاكس لهذا من جهة المشرق تختص به هذه السبعة دون غيرها. فأقسم الله بها في حال خنوسها أي: تأخرها، وفي حال جريانها، وفي حال كنوسها أي: استتارها بالنهار، ويحتمل أن المراد بها جميع النجوم الكواكب السيارة وغيرها. { والليل إذا عسعس } أي: أدبر وقيل: أقبل، { والصبح إذا تنفس } أي: بانت علائم الصبح، وانشق النور شيئا فشيئا حتى يستكمل وتطلع الشمس، وهذه آيات عظام، أقسم الله بها على علو سند القرآن وجلالته، وحفظه من كل شيطان رجيم، فقال: { إنه لقول رسول كريم } وهو جبريل عليه السلام، نزل به من الله تعالى، كما قال تعالى: وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين [الشعراء: 192-194]. ووصفه الله بالكريم لكرم أخلاقه، وكثره خصاله الحميدة، فإنه أفضل الملائكة، وأعظمهم رتبة عند ربه، { ذي قوة } على ما أمره الله به. ومن قوته أنه قلب ديار قوم لوط بهم فأهلكهم. { عند ذي العرش } أي: جبريل مقرب عند الله، له منزلة رفيعة، وخصيصة من الله اختصه بها، { مكين } أي: له مكانة ومنزلة فوق منازل الملائكة كلهم. { مطاع ثم } أي: جبريل مطاع في الملأ الأعلى، لديه من الملائكة المقربين جنود، نافذ فيهم أمره، مطاع رأيه، { أمين } أي: ذو أمانة وقيام بما أمر به، لا يزيد ولا ينقص، ولا يتعدى ما حد له، وهذا [كله] يدل على شرف القرآن عند الله تعالى، فإنه بعث به هذا الملك الكريم، الموصوف بتلك الصفات الكاملة. والعادة أن الملوك لا ترسل الكريم عليها إلا في أهم المهمات، وأشرف الرسائل. ولما ذكر فضل الرسول الملكي الذي جاء …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
روى مسلم في صحيحه، والنسائي في تفسيره عند هذه الآية، من حديث مسعر بن كدام، عن الوليد بن سريع، عن عمرو بن حريث قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم الصبح، فسمعته يقرأ: {فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس} (1) . ورواه النسائي عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن الحجاج بن عاصم، عن أبي الأسود، عن عمرو بن حريث، به نحوه (2) . قال ابن أبي حاتم وابن جرير، من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن رجل من مراد، عن علي: {فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس} قال: هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل. وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت خالد بن عرعرة، سمعت عليا وسئل عن: {فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس} فقال: هي النجوم، تخنس بالنهار وتكنس بالليل (3) . وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن خالد، عن علي قال: هي النجوم. وهذا إسناد جيد صحيح إلى خالد بن عرعرة، وهو السهمي الكوفي، قال أبو حاتم الرازي: روى عن علي، وروى عنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني (4) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا والله أعلم. وروى يونس، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: أنها النجوم. رواه ابن أبي حاتم وكذا روي عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي، وغيرهم: أنها النجوم. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا هوذة بن خليفة، حدثنا عوف، عن بكر بن عبد الله في قوله: {فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس} قال: هي النجوم الدراري، التي تجري تستقبل المشرق.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٣٣٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/١٦٣) ↗التحرير والتنوير
عن عدم التغيير. والمعنى: وما صاحبكم بكاتم شيئا من الغيب، أي ما أخبركم به فهو الحق. وأما معنى «ظنين» بالظاء المشالة فهو فعيل بمعنى مفعول مشتق من الظن بمعنى التهمة، أي مظنون. ويراد إنه مظنون به سوء، أي أن يكون كاذبا فيما يخبر به عن الغيب، وكثر حذف مفعول ظنين بهذا المعنى في الكلام حتى صار الظن يطلق بمعنى التهمة فعدي إلى مفعول واحد. وأصل ذلك أنهم يقولون: ظن به سوءا، فيتعدى إلى متعلقه الأول بحرف باء الجر فلما كثر استعماله حذفوا الباء ووصلوا الفعل بالمجرور فصار مفعولا فقالوا ظنه: بمعنى اتهمه، يقال: سرق لي كذا وظننت فلانا. وحرف على في هذا الوجه للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى الظرفية نحو أو أجد على النار هدى [طه: 10] ، أي ما هو بمتهم في أمر الغيب وهو الوحي أن لا يكون كما بلغه، أي أن ما بلغه هو الغيب لا ريب فيه، وعكسه قولهم: ائتمنه على كذا. [25] 25] وما هو بقول شيطان رجيم (25) عطف على: إنه لقول رسول كريم [التكوير: 19] ، وهذا رجوع إلى ما أقسم عليه من أن القرآن قول رسول كريم، بعد أن استطرد بينهما بتلك المستطردات الدالة على زيادة كمال هذا القول بقدسية مصدره ومكانة حامله عند الله وصدق متلقيه منه عن رؤية محققة لا تخيل فيها، فكان التخلص إلى العود لتنزيه القرآن بمناسبة ذكر الغيب في قوله تعالى: وما هو على الغيب بضنين [التكوير: 24] . فإن القرآن من أمر الغيب الذي أوحي به إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه كثير من الأخبار عن أمور الغيب الجنة والنار ونحو ذلك. وقد علم أن الضمير عائد إلى القرآن لأنه أخبر عن الضمير بالقول الذي هو من جنس الكلام إذ قال: وما هو بقول شيطان رجيم [التكوير: 25] فكان المخبر عنه من قبيل الأقوال لا محالة، فلا يتوهم أن الضمير عائد إلى ما عاد إليه ضمير: وما هو على الغيب بضنين
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/١٦٣) ↗