البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الأنفال · الآية ٤٩

﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة } أي: طائفة من الكفار تقاتلكم. { فاثبتوا } لقتالها، واستعملوا الصبر وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة، التي عاقبتها العز والنصر. واستعينوا على ذلك بالإكثار من ذكر الله { لعلكم تفلحون } أي: تدركون ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم، فالصبر والثبات والإكثار من ذكر الله من أكبر الأسباب للنصر. { وأطيعوا الله ورسوله } في استعمال ما أمرا به، والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال. { ولا تنازعوا } تنازعا يوجب تشتت القلوب وتفرقها، { فتفشلوا } أي: تجبنوا { وتذهب ريحكم } أي: تنحل عزائمكم، وتفرق قوتكم، ويرفع ما وعدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله. { واصبروا } نفوسكم على طاعة الله { إن الله مع الصابرين } بالعون والنصر والتأييد، واخشعوا لربكم واخضعوا له. { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئآء الناس ويصدون عن سبيل الله } أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارهم لقصد الأشر والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم. والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدوا عن سبيل الله من أراد سلوكه، { والله بما يعملون محيط } فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذركم أن تشبهوا بهم، فإنه سيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة. فليكن قصدكم في خروجكم وجه الله تعالى وإعلاء دين الله، والصد عن الطرق الموصلة إلى سخط الله وعقابه، وجذب الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم. { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } حسنها في قلوبهم وخدعهم. { وقال لا غالب لكم اليوم من الناس } فإنكم في عدد وعدد وهيئة لا يقاومكم فيها محمد ومن معه. { وإني جار لكم } من أن يأتيكم أحد ممن تخشون غائلته، لأن إبليس قد تبدى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوة كانت بينهم. فقال لهم الشيطان: أنا جار لكم، فاطمأنت نفوسهم وأتوا على حرد قادرين. { فلما ترآءت الفئتان } …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي في قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس} قالوا: هم المشركون، الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. وقال محمد بن كعب: لما خرجت قريش من مكة إلى بدر، خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط} وقوله: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} الآية: حسن لهم -لعنه الله -ما جاؤوا له وما هموا به، وأطمعهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم من عدوهم بني بكر فقال: أنا جار لكم، وذلك أنه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، سيد بني مدلج، كبير تلك الناحية، وكل ذلك منه، كما قال [الله] (1) تعالى عنه: {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} [النساء:120] . قال ابن جريج (2) قال ابن عباس في هذه الآية: لما كان يوم بدر سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين: أن أحدا لن يغلبكم، وإني جار لكم. فلما التقوا، ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة، {نكص على عقبيه} قال: رجع مدبرا، وقال: {إني أرى ما لا ترون} الآية. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين، معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك (3) بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: {لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} فلما اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين وأقبل جبريل، عليه السلام، إلى إبليس، فلما رآه -وكانت يده في يد رجل من المشركين -انتزع يده ثم ولى مدبرا هو وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة، أتزعم أنك لنا جار؟ فقال: {إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب} …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

منامك قليلا} [الأنفال: 43] . {والذين في قلوبهم مرض} [الأنفال: 49] يعني: شك في الإسلام لم يصح يقينهم، ولم تشرح بالإيمان صدورهم. {غر هؤلاء دينهم} [الأنفال: 49] يقول: غر هؤلاء الذين يقاتلون المشركين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أنفسهم دينهم، وذلك الإسلام. وذكر أن الذين قالوا هذا القول كانوا نفرا ممن كان قد تكلم بالإسلام من مشركي قريش ولم يستحكم الإسلام في قلوبهم

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٢٢٦) ↗

التحرير والتنوير

وقوله: على عقبيه مؤكد لمعنى نكص إذ النكوص لا يكون إلا على العقبين، لأنه الرجوع إلى الوراء كقولهم: رجع القهقرى، ونظيره قوله تعالى في سورة المؤمنين [66] : فكنتم على أعقابكم تنكصون. وعلى مفيدة للتمكن من السير بالعقبين. والعقبان: تثنية العقب، وهو مؤخر الرجل، وقد تقدم في قوله: ونرد على أعقابنا في سورة الأنعام [71] . والمقصود من ذكر العقبين تفظيع التقهقر لأن عقب الرجل أخس القوائم لملاقاته الغبار والأوساخ. [49] إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (49) يتعلق إذ يقول بأقرب الأفعال إليه وهو قوله: زين لهم الشيطان أعمالهم [الأنفال: 48] مع ما عطف عليه من الأفعال، لأن إذ لا تقتضي أكثر من المقارنة في الزمان بين ما تضاف إليه وبين متعلقها، فتعين أن يكون قول المنافقين واقعا في وقت تزيين الشيطان أعمال المشركين فيتم تعليق وقت قول المنافقين بوقت تزيين الشيطان أعمال المشركين، وإنما تطلب المناسبة لذكر هذا الخبر عقب الذي وليه هو، وتلك هي أن كلا الخبرين يتضمن قوة جيش المشركين، وضعف جيش المسلمين، ويقين أولياء الشيطان بأن النصر سيكون للمشركين على المسلمين. فالخبر الأول عن طائفة أعانت المشركين بتأمينهم من عدو يخشونه فانحازت إليهم علنا، وذلك يستلزم تقبيح ما أقحم المسلمون فيه أنفسهم إذ عمدوا إلى قتال قوم أقوياء. والخبر الثاني: عن طائفتين شوهتا صنيع المسلمين حمقتاهم ونسبتاهم إلى الغرور فأسروا ذلك ولم يبوحوا به، وتحدثوا به فيما بينهم، أو أسروه في نفوسهم. فنظم الكلام هكذا: وزين الشيطان للمشركين أعمالهم حين كان المنافقون يقبحون أعمال المسلمين ويصفونهم بالغرور وقلة التدبير من اعتقادهم في دينهم الذي أوقعهم في هذا الغرور ويجول في نفوس الذين في قلوبهم مرض مثل هذا.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٣٧) ↗