البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة الأنفال · الآية ٤٨

﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة } أي: طائفة من الكفار تقاتلكم. { فاثبتوا } لقتالها، واستعملوا الصبر وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة، التي عاقبتها العز والنصر. واستعينوا على ذلك بالإكثار من ذكر الله { لعلكم تفلحون } أي: تدركون ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم، فالصبر والثبات والإكثار من ذكر الله من أكبر الأسباب للنصر. { وأطيعوا الله ورسوله } في استعمال ما أمرا به، والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال. { ولا تنازعوا } تنازعا يوجب تشتت القلوب وتفرقها، { فتفشلوا } أي: تجبنوا { وتذهب ريحكم } أي: تنحل عزائمكم، وتفرق قوتكم، ويرفع ما وعدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله. { واصبروا } نفوسكم على طاعة الله { إن الله مع الصابرين } بالعون والنصر والتأييد، واخشعوا لربكم واخضعوا له. { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئآء الناس ويصدون عن سبيل الله } أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارهم لقصد الأشر والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم. والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدوا عن سبيل الله من أراد سلوكه، { والله بما يعملون محيط } فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذركم أن تشبهوا بهم، فإنه سيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة. فليكن قصدكم في خروجكم وجه الله تعالى وإعلاء دين الله، والصد عن الطرق الموصلة إلى سخط الله وعقابه، وجذب الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم. { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } حسنها في قلوبهم وخدعهم. { وقال لا غالب لكم اليوم من الناس } فإنكم في عدد وعدد وهيئة لا يقاومكم فيها محمد ومن معه. { وإني جار لكم } من أن يأتيكم أحد ممن تخشون غائلته، لأن إبليس قد تبدى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوة كانت بينهم. فقال لهم الشيطان: أنا جار لكم، فاطمأنت نفوسهم وأتوا على حرد قادرين. { فلما ترآءت الفئتان } …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي في قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس} قالوا: هم المشركون، الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. وقال محمد بن كعب: لما خرجت قريش من مكة إلى بدر، خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط} وقوله: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} الآية: حسن لهم -لعنه الله -ما جاؤوا له وما هموا به، وأطمعهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم من عدوهم بني بكر فقال: أنا جار لكم، وذلك أنه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، سيد بني مدلج، كبير تلك الناحية، وكل ذلك منه، كما قال [الله] (1) تعالى عنه: {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} [النساء:120] . قال ابن جريج (2) قال ابن عباس في هذه الآية: لما كان يوم بدر سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين: أن أحدا لن يغلبكم، وإني جار لكم. فلما التقوا، ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة، {نكص على عقبيه} قال: رجع مدبرا، وقال: {إني أرى ما لا ترون} الآية. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين، معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك (3) بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: {لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} فلما اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين وأقبل جبريل، عليه السلام، إلى إبليس، فلما رآه -وكانت يده في يد رجل من المشركين -انتزع يده ثم ولى مدبرا هو وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة، أتزعم أنك لنا جار؟ فقال: {إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب} …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٢٢٠) ↗

التحرير والتنوير

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب ترجع- بضم التاء وفتح الجيم- أي يرجعها، راجع إلى الله، والذي يرجعها هو الله فهو يرجعها إليه. وقرأ البقية ترجع- بفتح التاء وكسر الجيم- أي: ترجع بنفسها إلى الله، ورجوعها هو برجوع أسبابها. [45، 46] يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45) وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين (46) لما عرفهم الله بنعمه ودلائل عنايته، وكشف لهم عن سر من أسرار نصره إياهم، وكيف خذل أعداءهم، وصرفهم عن أذاهم، فاستتب لهم النصر مع قلتهم وكثرة أعدائهم، أقبل في هذه الآية على أن يأمرهم بما يهيء لهم النصر في المواقع كلها، ويستدعي عناية الله بهم وتأييده إياهم، فجمع لهم في هذه الآية ما به قوام النصر في الحروب. وهذه الجمل معترضة بين جملة: وإذ يريكموهم [الأنفال: 44] وجملة: وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم [الأنفال: 48] . وافتتحت هذه الوصايا بالنداء اهتماما بها، وجعل طريق تعريف المنادى طريق الموصولية لما تؤذن به الصلة من الاستعداد لامتثال ما يأمرهم به الله تعالى، لأن ذلك أخص صفاتهم تلقاء أوامر الله تعالى، كما قال تعالى: إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا [النور: 51] . واللقاء: أصله مصادفة الشخص ومواجهته، باجتماع في مكان واحد، كما تقدم عند قوله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات [البقرة: 37] وقوله: واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه في سورة البقرة [223] . وقد غلب إطلاقه على لقاء خاص وهو لقاء القتال، فيرادف القتال والنزال.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٩) ↗