سورة الأنفال · الآية ٤٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وكان الله قد أرى رسوله المشركين في الرؤيا عددا قليلا فبشر بذلك أصحابه، فاطمأنت قلوبهم وتثبتت أفئدتهم. ولو أراكهم الله إياهم كثيرا فأخبرت بذلك أصحابك { لفشلتم ولتنازعتم في الأمر } فمنكم من يرى الإقدام على قتالهم، ومنكم من لا يرى ذلك فوقع من الاختلاف والتنازع ما يوجب الفشل. { ولكن الله سلم } فلطف بكم { إنه عليم بذات الصدور } أي: بما فيها من ثبات وجزع، وصدق وكذب، فعلم الله من قلوبكم ما صار سببا للطفه وإحسانه بكم، وصدق رؤيا رسوله، فأرى الله المؤمنين عدوهم، قليلا في أعينهم، ويقللكم - يا معشر المؤمنين - في أعينهم، فكل من الطائفتين ترى الأخرى قليلة، لتقدم كل منهما على الأخرى. { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } من نصر المؤمنين وخذلان الكافرين وقتل قادتهم ورؤساء الضلال منهم، ولم يبق منهم أحد له اسم يذكر، فيتيسر بعد ذلك انقيادهم إذا دعوا إلى الإسلام، فصار أيضا لطفا بالباقين، الذين من الله عليهم بالإسلام. { وإلى الله ترجع الأمور } أي: جميع أمور الخلائق ترجع إلى الله، فيميز الخبيث من الطيب، ويحكم في الخلائق بحكمه العادل، الذي لا جور فيه ولا ظلم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنفال ٤٣–٤٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جانبي: تراهم سبعين؟ قال: لا بل [هم] (1) مائة، حتى أخذنا رجلا منهم فسألناه، قال (2) كنا ألفا. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير (3) وقوله: {ويقللكم في أعينهم} قال ابن أبي حاتم: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن الزبير بن الخريت (4) عن (5) عكرمة: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم} قال: حضض بعضهم على بعض. إسناد صحيح. وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه في قوله تعالى: {ليقضي الله أمرا كان مفعولا} أي: ليلقي بينهم الحرب، للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد تمام النعمة عليه من أهل ولايته. ومعنى هذا أنه تعالى أغرى كلا من الفريقين بالآخر، وقلله في عينه ليطمع فيه، وذلك عند المواجهة. فلما التحم القتال وأيد الله المؤمنين بألف من الملائكة مردفين، بقي حزب الكفار يرى حزب الإيمان ضعفيه، كما قال تعالى: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إنفي ذلك لعبرة لأولي الأبصار} [آل عمران: 13] ،وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين، فإن كلا منها (6) حق وصدق، ولله الحمد والمنة. هذا تعليم الله (1) عباده المؤمنين آداب اللقاء، وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، [فقال] (2) {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا} ثبت في الصحيحين، عن عبد الله بن أبي أوفى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: " يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا (3) واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " اللهم، منزل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٢٠٨) ↗التحرير والتنوير
43] إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) إذ يريكهم الله بدل من قوله: إذ أنتم بالعدوة الدنيا [الأنفال: 42] فإن هذه الرؤيا مما اشتمل عليه زمان كونهم بالعدوة الدنيا لوقوعها في مدة نزول المسلمين بالعدوة من بدر، فهو بدل من بدل. والمنام مصدر ميمي بمعنى النوم، ويطلق على زمن النوم وعلى مكانه. ويتعلق قوله: في منامك بفعل يريكهم، فالإراءة إراءة رؤيا، وأسندت الإراءة إلى الله تعالى لأن رؤيا النبيء صلى الله عليه وسلم وحي بمدلولها، كما دل عليه قوله تعالى، حكاية عن إبراهيم وابنه قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر [الصافات: 102] فإن أرواح الأنبياء لا تغلبها الأخلاط، ولا تجول حواسهم الباطنة في العبث، فما رؤياهم إلا مكاشفات روحانية على عالم الحقائق. وكان النبيء صلى الله عليه وسلم قد رأى رؤيا منام، جيش المشركين قليلا، أي قليل العدد وأخبر برؤياه المسلمين فتشجعوا للقاء المشركين، وحملوها على ظاهرها، وزال عنهم ما كان يخامرهم من تهيب جيش المشركين. فكانت تلك الرؤيا من أسباب النصر، وكانت تلك الرؤيا منة من الله على رسوله والمؤمنين، وكانت قلة العدد في الرؤيا رمزا وكناية عن وهن أمر المشركين لا عن قلة عددهم. ولذلك جعلها الله في رؤيا النوم دون الوحي، لأن صور المرائي المنامية تكون رموزا لمعان فلا تعد صورتها الظاهرية خلفا، بخلاف الوحي بالكلام. وقد حكاها النبيء صلى الله عليه وسلم للمسلمين، فأخذوها على ظاهرها، لعلمهم أن رؤيا النبيء وحي، وقد يكون النبيء قد أطلعه الله على تعبيرها الصائب، وقد يكون صرفه عن ذلك فظن كالمسلمين ظاهرها، وكل ذلك للحكمة. فرؤيا النبيء صلى الله عليه وسلم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٢٢) ↗