سورة الأنفال · الآية ١٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - لما انهزم المشركون يوم بدر، وقتلهم المسلمون - { فلم تقتلوهم } بحولكم وقوتكم { ولكن الله قتلهم } حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره. { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت القتال دخل العريش وجعل يدعو الله، ويناشده في نصرته، ثم خرج منه، فأخذ حفنة من تراب، فرماها في وجوه المشركين، فأوصلها الله إلى وجوههم، فما بقي منهم واحد إلا وقد أصاب وجهه، وفمه وعينيه منها، فحينئذ انكسر حدهم، وفتر زندهم، وبان فيهم الفشل والضعف، فانهزموا. يقول تعالى لنبيه: لست بقوتك - حين رميت التراب - أوصلته إلى أعينهم، وإنما أوصلناه إليهم بقوتنا واقتدارنا. { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } أي: إن الله تعالى قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين، من دون مباشرة قتال، ولكن الله أراد أن يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، ويعطيهم أجرا حسنا وثوابا جزيلا. { إن الله سميع عليم } يسمع تعالى ما أسر به العبد وما أعلن، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدها، فيقدر على العباد أقدارا موافقة لعلمه وحكمته ومصلحة عباده، ويجزي كلا بحسب نيته وعمله. { ذلكم } النصر من الله لكم { وأن الله موهن كيد الكافرين } أي: مضعف كل مكر وكيد يكيدون به الإسلام وأهله، وجاعل مكرهم محيقا بهم. { إن تستفتحوا } أيها المشركون، أي: تطلبوا من الله أن يوقع بأسه وعذابه على المعتدين الظالمين. { فقد جآءكم الفتح } حين أوقع الله بكم من عقابه، ما كان نكالا لكم وعبرة للمتقين { وإن تنتهوا } عن الاستفتاح { فهو خير } لأنه ربما أمهلتم، ولم يعجل لكم النقمة. { وإن تعودوا } إلى الاستفتاح وقتال حزب الله المؤمنين { نعد } في نصرهم عليكم. { ولن تغني عنكم فئتكم } أي: أعوانكم وأنصاركم، الذين تحاربون وتقاتلون، معتمدين عليهم، شيئا وأن الله مع المؤمنين. ومن كان الله معه فهو المنصور وإن كان ضعيفا قليلا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
في مستدركه من طريق الزهري، به (1) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وروي [نحو] (2) هذا عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، ويزيد بن رومان، وغير واحد. وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر، أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين. فقال الله: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} يقول: قد نصرت ما قلتم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو قوله تعالى إخبارا عنهم: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك [فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم] } [الأنفال: 32] . (3) وقوله: {وإن تنتهوا} أي: عما أنتم فيه من الكفر بالله والتكذيب لرسوله، {فهو خير لكم} أي: في الدنيا والآخرة. [وقوله] (4) {وإن تعودوا نعد} كقوله (5) {وإن عدتم عدنا} [الإسراء: 8] معناه: وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة، نعد لكم بمثل هذه الواقعة. وقال السدي: {وإن تعودوا} أي: إلى الاستفتاح {نعد} إلى الفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم، والنصر له، وتظفيره على أعدائه، والأول أقوى. {ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت} أي: ولو جمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان الله معه فلا غالب له، فإن الله مع المؤمنين، وهم الحزب النبوي، والجناب المصطفوي. يأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له؛ ولهذا قال: {ولا تولوا عنه} أي: تتركوا طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره، {وأنتم تسمعون} أي: بعد ما علمتم ما دعاكم إليه. {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} قيل: المراد المشركون. واختاره ابن جرير. وقال ابن إسحاق: هم المنافقون؛ فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا، وليسوا كذلك. ثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شر (6) الخلق والخليقة، فقال: {إن شر الدواب عند الله
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[الأنفال: 19] يعني: إن تستحكموا الله على أقطع الحزبين للرحم وأظلم الفئتين، وتستنصروه عليه، فقد جاءكم حكم الله ونصره المظلوم على الظالم، والمحق على المبطل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٨٩) ↗التحرير والتنوير
وليس ذلك لمجرد اللهو، ولكن ليتسامع العرب فيتساءلوا عن سبب ذلك فيخبروا بأنهم غلبوا المسلمين فيصرفهم ذلك عن اتباع الإسلام، فأراد الله توهينهم بهزمهم تلك الهزيمة الشنعاء فهو موهن كيدهم في الحال وتقدم تفسير، الكيد عند قوله تعالى: وأملي لهم إن كيدي متين في سورة الأعراف [183] . وقرأ نافع وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، موهن بفتح الواو وبتشديد الهاء وبالتنوين ونصب كيد، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف، ويعقوب، موهن بتسكين الواو وتخفيف الهاء ونصب كيد- والمعنى على القراءتين سواء، وقرأ حفص عن عاصم بإضافة موهن إلى كيد، والمعنى وهي إضافة لفظية مساوية للتنكير. [19] إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) جمهور المفسرين جعلوا الخطاب موجها إلى المشركين، فيكون الكلام اعتراضا خوطب به المشركون في خلال خطبات المسلمين بمناسبة قوله: ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين [الأنفال: 18] والخطاب التفات من طريق الغيبة الذي اقتضاه قوله: وأن الله موهن كيد الكافرين [الأنفال: 18] وذكر المفسرون في سبب نزولها أن أبا جهل وأصحابه لما أزمعوا الخروج إلى بدر استنصروا الله تجاه الكعبة، وأنهم قبل أن يشرعوا في القتال يوم بدر استنصروا الله أيضا وقالوا ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه، فخوطبوا بأن قد جاءهم الفتح على سبيل التهكم أي الفتح الذي هو نصر المسلمين عليهم. وإنما كان تهكما لأن في معنى جاءكم الفتح استعارة المجيء للحصول عندهم تشبيها بمجيء المنجد لأن جعل الفتح جاءيا إياهم. يقتضي أن النصر كان في جانبهم ولمنفعتهم، والواقع يخالف ذلك، فعلم أن الخبر مستعمل في التهكم بقرينة مخالفته الواقع بمسمع المخاطبين ومرآهم. وحمل ابن عطية فعل جاءكم على معنى: فقد تبين لكم النصر ورأيتموه أنه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٢٩٨) ↗