البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الأنفال · الآية ١٨

﴿ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى - لما انهزم المشركون يوم بدر، وقتلهم المسلمون - { فلم تقتلوهم } بحولكم وقوتكم { ولكن الله قتلهم } حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره. { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت القتال دخل العريش وجعل يدعو الله، ويناشده في نصرته، ثم خرج منه، فأخذ حفنة من تراب، فرماها في وجوه المشركين، فأوصلها الله إلى وجوههم، فما بقي منهم واحد إلا وقد أصاب وجهه، وفمه وعينيه منها، فحينئذ انكسر حدهم، وفتر زندهم، وبان فيهم الفشل والضعف، فانهزموا. يقول تعالى لنبيه: لست بقوتك - حين رميت التراب - أوصلته إلى أعينهم، وإنما أوصلناه إليهم بقوتنا واقتدارنا. { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } أي: إن الله تعالى قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين، من دون مباشرة قتال، ولكن الله أراد أن يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، ويعطيهم أجرا حسنا وثوابا جزيلا. { إن الله سميع عليم } يسمع تعالى ما أسر به العبد وما أعلن، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدها، فيقدر على العباد أقدارا موافقة لعلمه وحكمته ومصلحة عباده، ويجزي كلا بحسب نيته وعمله. { ذلكم } النصر من الله لكم { وأن الله موهن كيد الكافرين } أي: مضعف كل مكر وكيد يكيدون به الإسلام وأهله، وجاعل مكرهم محيقا بهم. { إن تستفتحوا } أيها المشركون، أي: تطلبوا من الله أن يوقع بأسه وعذابه على المعتدين الظالمين. { فقد جآءكم الفتح } حين أوقع الله بكم من عقابه، ما كان نكالا لكم وعبرة للمتقين { وإن تنتهوا } عن الاستفتاح { فهو خير } لأنه ربما أمهلتم، ولم يعجل لكم النقمة. { وإن تعودوا } إلى الاستفتاح وقتال حزب الله المؤمنين { نعد } في نصرهم عليكم. { ولن تغني عنكم فئتكم } أي: أعوانكم وأنصاركم، الذين تحاربون وتقاتلون، معتمدين عليهم، شيئا وأن الله مع المؤمنين. ومن كان الله معه فهو المنصور وإن كان ضعيفا قليلا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر عنهم من خير؛ لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم؛ ولهذا قال: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} أي: ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم، أي: بل هو الذي أظفركم [بهم ونصركم] (1) عليهم كما قال تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة [فاتقوا الله لعلكم تشكرون] } [آل عمران: 123] . (2) وقال تعالى: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} [التوبة: 25] يعلم -تبارك وتعالى-أن النصر ليس عن كثرة العدد، ولا بلبس اللأمة والعدد، وإنما النصر من عند الله تعالى (3) كما قال: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249] . ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم أيضا في شأن القبضة من التراب، التي حصب بها وجوه المشركين (4) يوم بدر، حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته، فرماهم بها وقال: " شاهت الوجوه ". ثم أمر الصحابة أن يصدقوا الحملة إثرها، ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله؛ ولهذا قال [تعالى] (5) {ومارميت إذ رميت} أي: هو الذي بلغ ذلك إليهم، وكبتهم بها لا أنت. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه -يعني يوم بدر -فقال: " يا رب إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبدا". فقال له جبريل: "خذ قبضة من التراب، فارم بها في وجوههم" فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين. وقال السدي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي، رضي الله عنه، يوم بدر: "أعطني حصبا من الأرض".

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٠) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

واعلموا أن الله مع ذلك مضعف كيد الكافرين، يعني مكرهم، حتى يذلوا، وينقادوا للحق ويهلكوا. وفي فتح «أن» من الوجوه ما في قوله: {ذلكم فذوقوه وأن

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٨٨) ↗

التحرير والتنوير

وضمير منه عائد إلى اسم الجلالة و (من) الابتداء المجازي لتشريف ذلك الإبلاء ويجوز عود الضمير إلى المذكور من القتل والرمي ويكون (من) للتعليل والسببية. وقوله: إن الله سميع عليم تذييل للكلام و (إن) هذا مقيدة للتعليل والربط أي فعل ذلك لأنه سميع عليم، فقد سمع دعاء المؤمنين واستغاثتهم وعلم أنهم لعنايته ونصره فقبل دعاءهم ونصرهم. [18] 18] ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (18) الإشارة ب ذلكم إلى البلاء الحسن وهذه الإشارة لمجرد تأكيد المقصود من البلاء الحسن وأن ذلك البلاء علة للتوهين. واسم الإشارة يفتتح به الكلام لمقاصد يجمعها التنبيه على أهمية ما يرد بعده كقوله تعالى: هذا وإن للطاغين لشر مآب [ص: 55] ويجيء في الكلام الوارد تعليلا كقوله تعالى: ذلك بما قدمت أيديكم [الأنفال: 51] . وعليه فاسم الإشارة هنا مبتدأ حذف خبره وعطف عليه جملة: وأن الله موهن كيد الكافرين. وقوله: وأن الله بفتح همزة (أن) ، فما بعدها في تأويل مصدر، مجرور بلام التعليل محذوفة، والتقدير ولتوهين كيد الكافرين. ويجوز أن تكون الإشارة ب ذلكم إلى الأمرين، وهو ما اقتضاه قوله: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال: 17] من تعليل الرمي بخذل المشركين وهزمهم وإبلاء المؤمنين البلاء الحسن. وإفراد اسم الإشارة مع كون المشار إليه اثنين على تأويل المشار إليه بالمذكور كما تقدم في نظيره في سورة البقرة. وكيد الكافرين هو قصدهم الإضرار بالمسلمين في صورة ليست ظاهرها بمضرة، وذلك أن جيش المشركين الذين جاءوا لإنقاذ العير لما علموا بنجاة عيرهم، وظنوا خيبة المسلمين الذين خرجوا في طلبها، أبوا أن يرجعوا إلى مكة، وأقاموا على بدر لينحروا ويشربوا الخمر ويضربوا الدفوف فرحا وافتخارا بنجاة عيرهم،

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٢٩٧) ↗