سورة الأنفال · الآية ١٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: اذكروا نعمة الله عليكم، لما قارب التقاؤكم بعدوكم، استغثتم بربكم، وطلبتم منه أن يعينكم وينصركم { فاستجاب لكم } وأغاثكم بعدة أمور: منها: أن الله أمدكم { بألف من الملائكة مردفين } أي: يردف بعضهم بعضا، { وما جعله الله } أي: إنزال الملائكة { إلا بشرى } أي: لتستبشر بذلك نفوسكم، { ولتطمئن به قلوبكم } وإلا فالنصر بيد الله، ليس بكثرة عدد ولا عدد. { إن الله عزيز } لا يغالبه مغالب، بل هو القهار، الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا. { حكيم } حيث قدر الأمور بأسبابها، ووضع الأشياء مواضعها. ومن نصره واستجابته لدعائكم أن أنزل عليكم نعاسا { يغشيكم } [أي] فيذهب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون { أمنة } لكم وعلامة على النصر والطمأنينة. ومن ذلك: أنه أنزل عليكم من السماء مطرا ليطهركم به من الحدث والخبث، وليطهركم به من وساوس الشيطان ورجزه. { وليربط على قلوبكم } أي: يثبتها فإن ثبات القلب، أصل ثبات البدن، { ويثبت به الأقدام } فإن الأرض كانت سهلة دهسة فلما نزل عليها المطر تلبدت، وثبتت به الأقدام. ومن ذلك: أن الله أوحى إلى الملائكة { أني معكم } بالعون والنصر والتأييد، { فثبتوا الذين آمنوا } أي: ألقوا في قلوبهم، وألهموهم الجراءة على عدوهم، ورغبوهم في الجهاد وفضله. { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } الذي هو أعظم جند لكم عليهم، فإن الله إذا ثبت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين، لم يقدر الكافرون على الثبات لهم، ومنحهم الله أكتافهم. { فاضربوا فوق الأعناق } أي: على الرقاب { واضربوا منهم كل بنان } أي: مفصل. وهذا خطاب، إما للملائكة الذين أوحى الله إليهم أن يثبتوا الذين آمنوا، فيكون في ذلك دليل أنهم باشروا القتال يوم بدر، أو للمؤمنين يشجعهم الله، ويعلمهم كيف يقتلون المشركين، وأنهم لا يرحمونهم، وذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله أي: حاربوهما وبارزوهما بالعداوة. { ومن يشاقق الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
للمؤمنين عند شدة البأس لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله. وهذا من فضل الله ورحمته بهم ونعمه عليهم، وكما قال تعالى: {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} [الشرح: 5، 6] ؛ ولهذا [جاء] (1) في الصحيح (2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق، رضي الله عنه، وهما يدعوان، أخذت رسول الله سنة من النوم، ثم استيقظ متبسما فقال: "أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع" ثم خرج من باب العريش، وهو يتلو قوله تعالى: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} [القمر: 45] . وقوله: {وينزل عليكم من السماء ماء} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: نزل النبي صلى الله عليه وسلم -يعني: حين سار إلى بدر -والمسلمون (3) بينهم وبين الماء رملة دعصة (4) وأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، يوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين! فأمطر الله عليهم مطرا شديدا، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان، وانشف (5) الرمل حين أصابه المطر ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم وأمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة. وكذا قال العوفي عن ابن عباس: إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير وليقاتلوا (6) عنها، نزلوا على الماء يوم بدر، فغلبوا المؤمنين عليه. فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلون مجنبين محدثين، حتى تعاظموا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملئوا الأسقية، وسقوا الركاب (7) واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورا، وثبت الأقدام. وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطر عليها، فضربها حتى اشتدت، وثبتت عليها الأقدام. ونحو ذلك روي عن قتادة، والضحاك، والسدي. وقد روي عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الآجل والمعاد عذاب النار. ولفتح «أن» من قوله: {وأن للكافرين} [الأنفال: 14] من الإعراب وجهان: أحدهما الرفع، والآخر النصب. فأما الرفع فبمعنى: ذلكم فذوقوه، ذلكم وأن للكافرين عذاب النار بنية تكرير «ذلكم» ، كأنه قيل: ذلكم الأمر وهذا. وأما النصب فمن وجهين: أحدهما: ذلكم فذوقوه، واعلموا، أو وأيقنوا أن للكافرين، فيكون نصبه بنية فعل مضمر قال الشاعر: [البحر الكامل] ورأيت زوجك في الوغى %~% متقلدا سيفا ورمحا بمعنى: وحاملا رمحا. والآخر بمعنى: ذلكم فذوقوه، وبأن للكافرين عذاب النار، ثم حذفت الباء فنصبت
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٧٤) ↗التحرير والتنوير
فهي تفيد معنى التعليل ولهذا فصلت الجملة. والمخاطب بهذه الجملة: إما الملائكة، فتكون من جملة الموحى به إليهم إطلاعا لهم على حكمة فعل الله تعالى. لزيادة تقريبهم، ولا يريبك إفراد كاف الخطاب في اسم الإشارة لأن الأصل في الكاف مع اسم الإشارة الإفراد والتذكير، وإجراؤها على حسب حال المخاطب بالإشارة جائز وليس بالمتعين، وإما من تبلغهم الآية من المشركين الأحياء بعد يوم بدر، ولذا فالجملة معترضة للتحذير من الاستمرار على مشاقة الله ورسوله. والقول في إفراد الكاف هو هو إذ الخطاب لغير معين والمراد نوع خاص، ويجوز أن يكون المخاطب به النبيء صلى الله عليه وسلم. والمشار إليه ما أمروا به من ضرب الأعناق وقطع البنان. وإفراد اسم الإشارة بتأويله بالمذكور، وتقدم غير مرة. والمشاقة العداوة بعصيان وعناد، مشتقة من الشق- بكسر الشين- وهو الجانب، هو اسم بمعنى المشقوق أي المفرق، ولما كان المخالف والمعادي يكون متباعدا عن عدوه فقد جعل كأنه في شق آخر، أي ناحية أخرى، والتصريح بسبب الانتقام تعريض للمؤمنين ليستزيدوا من طاعة الله ورسوله، فإن المشيئة لما كانت سبب هذا العقاب العظيم فيوشك ما هو مخالفة للرسول بدون مشاقة أن يوقع في عذاب دون ذلك، وخليق بأن يكون ضدها وهو الطاعة موجبا للخير. وجملة: من يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب تذييل يعم كل من يشاقق الله ويعم أصناف العقائد. والمراد من قوله: إن الله شديد العقاب الكناية عن عقاب المشاقين وبذلك يظهر الارتباط بين الجزاء وبين الشرط باعتبار لازم الخبر وهو الكناية عن تعلق مضمون ذلك الخبر بمن حصل منه مضمون الشرط، كقول عنترة: إن تغد في، دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم يريد فإني لا يخفى علي من يستر وجهه مني وأني أتوسمه وأعرفه. [14] ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) الخطاب في ذلكم فذوقوه للمشركين الذين قتلوا، والذين قطعت بنانهم أي يقال
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٢٨٤) ↗