سورة الأنفال · الآية ١٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: اذكروا نعمة الله عليكم، لما قارب التقاؤكم بعدوكم، استغثتم بربكم، وطلبتم منه أن يعينكم وينصركم { فاستجاب لكم } وأغاثكم بعدة أمور: منها: أن الله أمدكم { بألف من الملائكة مردفين } أي: يردف بعضهم بعضا، { وما جعله الله } أي: إنزال الملائكة { إلا بشرى } أي: لتستبشر بذلك نفوسكم، { ولتطمئن به قلوبكم } وإلا فالنصر بيد الله، ليس بكثرة عدد ولا عدد. { إن الله عزيز } لا يغالبه مغالب، بل هو القهار، الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا. { حكيم } حيث قدر الأمور بأسبابها، ووضع الأشياء مواضعها. ومن نصره واستجابته لدعائكم أن أنزل عليكم نعاسا { يغشيكم } [أي] فيذهب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون { أمنة } لكم وعلامة على النصر والطمأنينة. ومن ذلك: أنه أنزل عليكم من السماء مطرا ليطهركم به من الحدث والخبث، وليطهركم به من وساوس الشيطان ورجزه. { وليربط على قلوبكم } أي: يثبتها فإن ثبات القلب، أصل ثبات البدن، { ويثبت به الأقدام } فإن الأرض كانت سهلة دهسة فلما نزل عليها المطر تلبدت، وثبتت به الأقدام. ومن ذلك: أن الله أوحى إلى الملائكة { أني معكم } بالعون والنصر والتأييد، { فثبتوا الذين آمنوا } أي: ألقوا في قلوبهم، وألهموهم الجراءة على عدوهم، ورغبوهم في الجهاد وفضله. { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } الذي هو أعظم جند لكم عليهم، فإن الله إذا ثبت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين، لم يقدر الكافرون على الثبات لهم، ومنحهم الله أكتافهم. { فاضربوا فوق الأعناق } أي: على الرقاب { واضربوا منهم كل بنان } أي: مفصل. وهذا خطاب، إما للملائكة الذين أوحى الله إليهم أن يثبتوا الذين آمنوا، فيكون في ذلك دليل أنهم باشروا القتال يوم بدر، أو للمؤمنين يشجعهم الله، ويعلمهم كيف يقتلون المشركين، وأنهم لا يرحمونهم، وذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله أي: حاربوهما وبارزوهما بالعداوة. { ومن يشاقق الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
للمؤمنين عند شدة البأس لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله. وهذا من فضل الله ورحمته بهم ونعمه عليهم، وكما قال تعالى: {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} [الشرح: 5، 6] ؛ ولهذا [جاء] (1) في الصحيح (2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق، رضي الله عنه، وهما يدعوان، أخذت رسول الله سنة من النوم، ثم استيقظ متبسما فقال: "أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع" ثم خرج من باب العريش، وهو يتلو قوله تعالى: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} [القمر: 45] . وقوله: {وينزل عليكم من السماء ماء} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: نزل النبي صلى الله عليه وسلم -يعني: حين سار إلى بدر -والمسلمون (3) بينهم وبين الماء رملة دعصة (4) وأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، يوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين! فأمطر الله عليهم مطرا شديدا، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان، وانشف (5) الرمل حين أصابه المطر ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم وأمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة. وكذا قال العوفي عن ابن عباس: إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير وليقاتلوا (6) عنها، نزلوا على الماء يوم بدر، فغلبوا المؤمنين عليه. فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلون مجنبين محدثين، حتى تعاظموا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملئوا الأسقية، وسقوا الركاب (7) واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورا، وثبت الأقدام. وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطر عليها، فضربها حتى اشتدت، وثبتت عليها الأقدام. ونحو ذلك روي عن قتادة، والضحاك، والسدي. وقد روي عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قوله: {شاقوا الله ورسوله} [الأنفال: 13] فارقوا أمر الله ورسوله وعصوهما، وأطاعوا أمر الشيطان. ومعنى قوله: {ومن يشاقق الله ورسوله} [الأنفال: 13] ومن يخالف أمر الله وأمر رسوله، وفارق طاعتهما. {فإن الله شديد العقاب} [البقرة: 211] له، وشدة عقابه له في الدنيا: إحلاله به ما كان يحل بأعدائه من النقم، وفي الآخرة الخلود في نار جهنم. وحذف «له» من الكلام لدلالة الكلام عليها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٧٣) ↗التحرير والتنوير
والنجاسة تلائم طبع الشيطان. وتقدير المجرور في قوله: عنكم رجز الشيطان للرعاية على الفاصلة، لأنها بنيت على مد وحرف بعده في هذه الآيات والتي بعدها مع ما فيه من الاهتمام بهم. وقوله: وليربط على قلوبكم أي يؤمنكم بكونكم واثقين بوجود الماء لا تخافون عطشا وتثبيت الأقدام هو التمكن من السير في الرمل، بأن لا تسوخ في ذلك الدهس الأرجل، لأن هذا المعنى هو المناسب حصوله بالمطر. و (الربط) حقيقته شد الوثاق على الشيء وهو مجاز في التثبيت وإزالة الاضطراب ومنه قولهم: فلان رابط الجأش وله رباطة جأش. وعلى مستعارة لتمكن الربط فهي ترشيح للمجاز. [12، 13] إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب (13) إذ ظرف متعلق بقوله: فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين [الأنفال: 9] . وجعل الخطاب هنا للنبيء صلى الله عليه وسلم تلطفا به، إذ كانت هذه الآية في تفصيل عمل الملائكة يوم بدر، وما خاطبهم الله به فكان توجيه الخطاب بذلك إلى النبيء صلى الله عليه وسلم أولى لأنه أحق من يعلم مثل هذا العلم ويحصل العلم للمسلمين تبعا له، وأن الذي يهم المسلمين من ذلك هو نصر الملائكة إياهم وقد حصل الإعلام بذلك من آية إذ تستغيثون ربكم [الأنفال: 9] ولأن النبيء صلى الله عليه وسلم كان أول من استغاث الله، ولذلك عرف الله هنا باسم الرب وإضافته إلى ضمير النبيء صلى الله عليه وسلم ليوافق أسلوب إذ تستغيثون ربكم [الأنفال: 9] ولما فيه من التنويه بقدر نبيه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه فعل ذلك لطفا به ورفعا لشأنه. والوحي إلى الملائكة المرسلين: إما بطريق إلقاء هذا الأمر في نفوسهم بتكوين خاص، وإما بإبلاغهم ذلك بواسطة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٢٨٠) ↗