سورة النازعات · الآية ٤٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: يسألك المتعنتون المكذبون بالبعث { عن الساعة } متى وقوعها و { أيان مرسها } فأجابهم الله بقوله: { فيم أنت من ذكرها } أي: ما الفائدة لك ولهم في ذكرها ومعرفة وقت مجيئها؟ فليس تحت ذلك نتيجة، ولهذا لما كان علم العباد للساعة ليس لهم فيه مصلحة دينية ولا دنيوية، بل المصلحة في خفائه عليهم، طوى علم ذلك عن جميع الخلق، واستأثر بعلمه فقال: { إلى ربك منتههآ } أي: إليه ينتهي علمها، كما قال في الآية الأخرى: يسألونك عن الساعة أيان مرسها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ إلا هو ثقلت في السموت والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون [الأعراف: 187]. { إنمآ أنت منذر من يخشها } أي: إنما نذارتك [نفعها] لمن يخشى مجيء الساعة، ويخاف الوقوف بين يديه، فهم الذين لا يهمهم سوى الاستعداد لها والعمل لأجلها. وأما من لا يؤمن بها، فلا يبالي به ولا بتعنته، لأنه تعنت مبني على العناد والتكذيب، وإذا وصل إلى هذه الحال، كان الإجابة عنه عبثا، ينزه الحكيم عنه [تمت] والحمد لله رب العالمين.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النازعات ٤٢–٤٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أي: خاف القيام بين يدي الله عز وجل، وخاف حكم الله فيه، ونهى نفسه عن هواها، وردها إلى طاعة مولاها {فإن الجنة هي المأوى} أي: منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء. ثم قال تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها} أي: ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق، بل مردها ومرجعها إلى الله عز وجل، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين، {ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله} [الأعراف: 187] ، وقال هاهنا: {إلى ربك منتهاها} ولهذا (1) لما سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل". (2) . وقوله {إنما أنت منذر من يخشاها} أي: إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه (3) ، فمن خشي الله وخاف مقامه (4) ووعيده، اتبعك فأفلح وأنجح، والخيبة والخسار على من كذبك وخالفك. وقوله: {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} أي: إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقصرون مدة الحياة الدنيا، حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضحى من يوم. قال جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس: {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} أما عشية: فما بين الظهر إلى غروب الشمس، {أو ضحاها} ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار. وقال قتادة: وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة. [آخر تفسير سورة "النازعات"] (5) [ولله الحمد والمنة] (6)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٣١٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
التي تبعث فيها الموتى من قبورهم أيان مرساها، متى قيامها وظهورها؟ وكان الفراء يقول: إن قال قائل: إنما الإرساء للسفينة، والجبال الراسية وما أشبههن، فكيف وصف الساعة بالإرساء؟ قلت: هي بمنزلة السفينة إذا كانت جارية فرست، ورسوها: قيامها؛ قال: وليس قيامها كقيام القائم، إنما هي كقولك: قد قام العدل، وقام الحق: أي ظهر وثبت قال أبو جعفر رحمه الله: يقول الله لنبيه: {فيم أنت من ذكراها} [النازعات: 43] يقول: في أي شيء أنت من ذكر الساعة والبحث عن شأنها. وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر ذكر الساعة، حتى نزلت هذه الآية حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة، حتى أنزل الله عز وجل: {فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها} [النازعات: 44] حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل، عن طارق بن شهاب، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال يذكر شأن الساعة حتى نزلت {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} [النازعات: 42] إلى {من يخشاها} [النازعات: 45] حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فيم أنت من ذكراها} [النازعات: 43] قال: الساعة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/١٠٠) ↗التحرير والتنوير
وتعريف النفس في قوله: ونهى النفس هو مثل التعريف في المأوى وفي تعريف «أصحاب الجحيم» و «أصحاب الجنة» بطريق الموصول إيماء إلى أن الصلتين علتان في استحقاق ذلك المأوى. [42- 45] يسئلونك عن الساعة أيان مرساها (42) فيم أنت من ذكراها (43) إلى ربك منتهاها (44) إنما أنت منذر من يخشاها (45) استئناف بياني منشؤه أن المشركين كانوا يسألون عن وقت حلول الساعة التي يتوعدهم بها النبيء صلى الله عليه وسلم كما حكاه الله عنهم غير مرة في القرآن كقوله: ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين [يونس: 48] . وكان سؤالهم استهزاء واستخفافا لأنهم عقدوا قلوبهم على استحالة وقوع الساعة وربما طلبوا التعجيل بوقوعها وأوهموا أنفسهم وأشياعهم أن تأخر وقوعها دليل على اليأس منها لأنهم يتوهمون أنهم إذا فعلوا ذلك مع الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان صادقا لحمي غضب الله مرسله سبحانه فبادر بإراءتهم العذاب وهم يتوهمون شؤون الخالق كشؤون الناس إذا غضب أحدهم عجل بالانتقام طيشا وحنقا قال تعالى: لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا [الكهف: 58] . فلا جرم لما قضي حق الاستدلال على إمكان البعث بإقامة الدليل وضرب الأمثال، وعرض بعقاب الذين استحقوا بها في قوله: فإذا جاءت الطامة الكبرى [النازعات: 34] ، كان ذلك مثارا لسؤالهم أن يقولوا: هل لمجيء هذه الطامة الكبرى وقت معلوم؟ فكان الحال مقتضيا هذا الاستئناف البياني قضاء لحق المقام وجوابا عن سابق الكلام. فضمير «يسألون» عائد إلى المشركين أصحاب القلوب الواجفة والذين قالوا: أإنا لمردودون في الحافرة [النازعات: 10] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٩٤) ↗