سورة النازعات · الآية ١٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذه الإقسامات بالملائكة الكرام، وأفعالهم الدالة على كمال انقيادهم لأمر الله، وإسراعهم في تنفيذ أمره، يحتمل أن المقسم عليه، الجزاء والبعث، بدليل الإتيان بأحوال القيامة بعد ذلك، ويحتمل أن المقسم عليه والمقسم به متحدان، وأنه أقسم على الملائكة، لأن الإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، ولأن في ذكر أفعالهم هنا ما يتضمن الجزاء الذي تتولاه الملائكة عند الموت وقبله وبعده، فقال: { والنازعات غرقا }: وهم الملائكة التي تنزع الأرواح بقوة، وتغرق في نزعها حتى تخرج الروح، فتجازى بعملها. { والناشطات نشطا }: وهم الملائكة أيضا، تجتذب الأرواح بقوة ونشاط، أو أن النزع يكون لأرواح المؤمنين، والنشط لأرواح الكفار. { والسابحات } أي: المترددات في الهواء صعودا ونزولا { سبحا } { فالسابقات } لغيرها { سبقا } فتبادر لأمر الله، وتسبق الشياطين في إيصال الوحي إلى رسل الله حتى لا تسترقه. { فالمدبرات أمرا } الملائكة، الذين وكلهم الله أن يدبروا كثيرا من أمور العالم العلوي والسفلي، من الأمطار، والنبات، والأشجار، والرياح، والبحار، والأجنة، والحيوانات، والجنة، والنار [وغير ذلك] { يوم ترجف الراجفة } وهي قيام الساعة، { تتبعها الرادفة } أي: الرجفة الأخرى التي تردفها وتأتي تلوها، { قلوب يومئذ واجفة } أي: موجفة ومنزعجة من شدة ما ترى وتسمع. { أبصارها خاشعة } أي: ذليلة حقيرة، قد ملك قلوبهم الخوف، وأذهل أفئدتهم الفزع، وغلب عليهم التأسف [واستولت عليهم] الحسرة. يقولون أي: الكفار في الدنيا، على وجه التكذيب: { أإذا كنا عظاما نخرة } أي: بالية فتاتا. { قالوا تلك إذا كرة خاسرة } أي: استبعدوا أن يبعثهم الله ويعيدهم بعدما كانوا عظاما نخرة، جهلا [منهم] بقدرة الله، وتجرؤا عليه. قال الله في بيان سهولة هذا الأمر عليه: { فإنما هي زجرة واحدة } ينفخ فيها في الصور. فإذا الخلائق كلهم { بالساهرة } أي: على وجه الأرض، قيام ينظرون، فيجمعهم الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {فالمدبرات أمرا} قال علي، ومجاهد، وعطاء، وأبو صالح، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي: هي الملائكة-زاد الحسن: تدبر الأمر من السماء إلى الأرض. يعني: بأمر ربها عز وجل. ولم يختلفوا في هذا، ولم يقطع ابن جرير بالمراد في شيء من ذلك، إلا أنه حكى في {فالمدبرات أمرا} أنها الملائكة، ولا أثبت ولا نفى. وقوله: {يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة} قال ابن عباس هما النفختان الأولى والثانية. وهكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك، وغير واحد. وعن مجاهد: أما الأولى-وهي قوله: {يوم ترجف الراجفة} -فكقوله جلت عظمته: {يوم ترجف الأرض والجبال} [المزمل: 14] ، والثانية-وهي الرادفة-فهي كقوله: {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} [الحاقة: 14] . وقد قال الإمام أحمد حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه". فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: "إذا يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك". وقد رواه الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث سفيان الثوري، بإسناده مثله (1) ولفظ الترمذي وابن أبي حاتم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: " يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه". وقوله: {قلوب يومئذ واجفة} قال ابن عباس: يعني خائفة. وكذا قال مجاهد، وقتادة. {أبصارها خاشعة} أي: أبصار أصحابها. وإنما أضيف إليها؛ للملابسة، أي: ذليلة حقيرة؛ مما عاينت من الأهوال. وقوله: {يقولون أئنا لمردودون في الحافرة} ؟ يعني: مشركي قريش ومن قال بقولهم في إنكار المعاد، يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى الحافرة، وهي القبور، قاله مجاهد. وبعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم ونخورها؛ ولهذا قالوا: {أئذا كنا عظاما نخرة} ؟ …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أحافرة على صلع وشيب %~% معاذ الله من سفه وطيش وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٦٩) ↗التحرير والتنوير
والخسران: أصله نقص مال التجارة التي هي لطلب الربح، أي زيادة المال فاستعير هنا لمصادفة المكروه غير المتوقع. ووصف الكرة بالخاسرة مجاز عقلي للمبالغة لأن الخاسر أصحابها. والمعنى: إنا إذن خاسرون لتكذيبنا وتبين صدق الذي أنذرنا بتلك الرجعة. [13، 14] 14] فإنما هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14) الفاء فصيحة للتفريع على ما يفيده قولهم أإنا لمردودون في الحافرة أإذا كنا عظاما نخرة [النازعات: 9، 10] من إحالتهم الحياة بعد البلى والفناء. فتقدير الكلام: لا عجب في ذلك فما هي إلا زجرة واحدة فإذا أنتم حاضرون في الحشر. وضمير (هي) ضمير القصة وهو ضمير الشأن. واختير الضمير المؤنث ليحسن عوده إلى زجرة. وهذا من أحسن استعمالات ضمير الشأن. والقصر حقيقي مراد منه تأكيد الخبر بتنزيل السامع منزلة من يعتقد أن زجرة واحدة غير كافية في إحيائهم. وفاء فإذا هم بالساهرة للتفريع على جملة فإنما هي زجرة واحدة و (إذا) للمفاجأة، أي الحصول دون تأخير فحصل تأكيد معنى التفريع الذي أفادته الفاء وذلك يفيد عدم الترتب بين الزجرة والحصول في الساهرة. والزجرة: المرة من الزجر، وهو الكلام الذي فيه أمر أو نهي في حالة غضب، يقال: زجر البعير، إذا صاح له لينهض أو يسير، وعبر بها هنا عن أمر الله بتكوين أجساد الناس الأموات تصويرا لما فيه من معنى التسخير لتعجيل التكون. وفيه مناسبة لإحياء ما كان هامدا كما يبعث البعير البارك بزجرة ينهض بها سريعا خوفا من زاجره. وقد عبر عن ذلك بالصيحة في قوله تعالى: يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج [ق: 42] وهو الذي عبر عنه بالنفخ في الصور. ووصفت الزجرة بواحدة تأكيدا لما في صيغة المرة من معنى الوحدة لئلا يتوهم أن إفراده للنوعية، وهذه الزجرة هي النفخة الثانية التي في قوله تعالى:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٧٢) ↗