سورة النبأ · الآية ٧
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
في المعايش (1) في عرض النهار. وقد تقدم مثل هذه الآية في سورة "الفرقان" (2) . {وجعلنا الليل لباسا} أي: يغشى الناس ظلامه وسواده، كما قال: {والليل إذا يغشاها} [الشمس: 4] وقال الشاعر (3) : فلما لبسن الليل، أو حين نصبت %~% له من خذا آذانها وهو جانح وقال قتادة في قوله: {وجعلنا الليل لباسا} أي: سكنا. وقوله: {وجعلنا النهار معاشا} أي: جعلناه مشرقا منيرا (4) مضيئا، ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات، وغير ذلك. وقوله: {وبنينا فوقكم سبعا شدادا} يعني: السموات السبع، في اتساعها وارتفاعها وإحكامها وإتقانها، وتزيينها بالكواكب الثوابت والسيارات؛ ولهذا قال: {وجعلنا سراجا وهاجا} يعني: الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم. وقوله: {وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا} قال العوفي، عن ابن عباس: {المعصرات} الريح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو داود الحفري (5) عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وأنزلنا من المعصرات} قال: الرياح. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، والكلبي، وزيد بن أسلم: وابنه عبد الرحمن: إنها الرياح. ومعنى هذا القول أنها تستدر المطر من السحاب. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {من المعصرات} أي: من السحاب. وكذا قال عكرمة أيضا، وأبو العالية، والضحاك، والحسن، والربيع بن أنس، والثوري. واختاره ابن جرير. وقال الفراء: هي السحاب التي تتحلب بالمطر ولم تمطر بعد، كما يقال امرأة معصر، إذا دنا حيضها ولم تحض. وعن الحسن، وقتادة: {من المعصرات} يعني: السموات. وهذا قول غريب. والأظهر أن المراد بالمعصرات: السحاب، كما قال [الله] (6) تعالى: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله} [الروم: 48] أي: من بينه. وقوله: {ماء ثجاجا} قال مجاهد، وقتادة، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بما أعد لهم عند ورودهم عليه، من صنوف عقابه، وأليم عذابه، فقال لهم: {ألم نجعل الأرض} [المرسلات: 25] لكم {مهادا} [النبأ: 6] تمتهدونها وتفترشونها حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سعيد، عن قتادة، {ألم نجعل الأرض مهادا} [النبأ: 6] أي: بساطا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٨) ↗التحرير والتنوير
والتعبير ب نجعل دون: نخلق، لأن كونها مهادا حالة من أحوالها عند خلقها أو بعده بخلاف فعل الخلق فإنه يتعدى إلى الذات غالبا أو إلى الوصف المقوم للذات نحو: الذي خلق الموت والحياة [الملك: 2] . والمهاد: بكسر الميم الفراش الممهد الموطأ وزنة الفعال فيه تدل على أن أصله مصدر سمي به للمبالغة. وفي «القاموس» : أن المهاد يرادف المهد الذي يجعل للصبي. وعلى كل فهو تشبيه للأرض به إذ جعل سطحها ميسرا للجلوس عليها والاضطجاع وبالأحرى المشي، وذلك دليل على إبداع الخلق والتيسير على الناس، فهو استدلال يتضمن امتنانا وفي ذلك الامتنان إشعار بحكمة الله تعالى إذ جعل الأرض ملائمة للمخلوقات التي عليها فإن الذي صنع هذا الصنع لا يعجزه أن يخلق الأجسام مرة ثانية بعد بلاها. والغرض من الامتنان هنا تذكيرهم بفضل الله لعلهم أن يرعووا عن المكابرة ويقبلوا على النظر فيما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم تبليغا عن الله تعالى. ومناسبة ابتداء الاستدلال على إمكان البعث بخلق الأرض أن البعث هو إخراج أهل الحشر من الأرض فكانت الأرض أسبق شيء إلى ذهن السامع عند الخوض في أمر البعث، أي بعث أهل القبور. وجعل الأرض مهادا يتضمن الاستدلال بأصل خلق الأرض على طريقة الإيجاز ولذلك لم يتعرض إليه بعد عند التعرض لخلق السماوات. [7] 7] والجبال أوتادا (7) عطف على الأرض مهادا [النبأ: 6] فالواو عاطفة الجبال على الأرض، وعاطفة أوتادا على مهادا، وهذا من العطف على معمولي عامل واحد وهو وارد في الكلام الفصيح وجائز باتفاق النحويين لأن حرف العطف قائم مقام العامل. والأوتاد: جمع وتد بفتح الواو وكسر المثناة الفوقية. والوتد: عود غليظ شيئا، أسفله أدق من أعلاه يدق في الأرض لتشد به أطناب الخيمة وللخيمة، أوتاد كثيرة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/١٤) ↗