سورة المرسلات · الآية ٤٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر عقوبة المكذبين، ذكر ثواب المحسنين، فقال: { إن المتقين } [أي:] للتكذيب، المتصفين بالتصديق في أقوالهم وأفعالهم وأعمالهم، ولا يكونون كذلك إلا بأدائهم الواجبات، وتركهم المحرمات. { في ظلال } من كثرة الأشجار المتنوعة، الزاهية البهية. { وعيون } جارية من السلسبيل، والرحيق وغيرهما، { وفواكه مما يشتهون } أي: من خيار الفواكه وطيبها، ويقال لهم: { كلوا واشربوا } من المآكل الشهية، والأشربة اللذيذة، { هنيئا } أي: من غير منغص ولا مكدر، ولا يتم هناؤه، حتى يسلم الطعام والشراب من كل آفة ونقص، وحتى يجزموا أنه غير منقطع ولا زائل، { ئا بما كنتم تعملون } فأعمالكم هي السبب الموصل لكم إلى هذا النعيم المقيم، وهكذا كل من أحسن في عبادة الله وأحسن إلى عباد الله، ولهذا قال: { إنا كذلك نجزي المحسنين * ويل يومئذ للمكذبين } ولو لم يكن لهم من هذا الويل إلا فوات هذا النعيم، لكفى به حرمانا وخسرانا.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المرسلات ٤١–٤٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مخبرا عن عباده المتقين (1) الذين عبدوه بأداء الواجبات، وترك المحرمات: إنهم يوم القيامة يكونون في جنات وعيون، أي: بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه، من ظل اليحموم، وهو الدخان الأسود المنتن. {وفواكه مما يشتهون} أي: من سائر أنواع الثمار، مهما طلبوا وجدوا. {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون} أي: يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم. ثم قال تعالى مخبرا خبرا مستأنفا: {إنا كذلك نجزي المحسنين} أي: هذا حزاؤنا لمن أحسن العمل، {ويل يومئذ للمكذبين} وقوله: {كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون} خطاب للمكذبين بيوم الدين، وأمرهم أمر تهديد ووعيد فقال تعالى: {كلوا وتمتعوا قليلا} أي: مدة قليلة قريبة قصيرة، {إنكم مجرمون} أي: ثم تساقون إلى نار جهنم التي تقدم ذكرها، {ويل يومئذ للمكذبين} كما قال تعالى: {نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} [لقمان: 24] وقال تعالى: {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} [يونس: 69، 70] وقوله: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} أي: إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة، امتنعوا من ذلك واستكبروا عنه؛ ولهذا قال: {ويل يومئذ للمكذبين} ثم قال: {فبأي حديث بعده يؤمنون} ؟ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن، فبأي كلام يؤمنون به؟! كقوله تعالى: {فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} [الجاثية: 6] . قال ابن أبي حاتم: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية: سمعت رجلا أعرابيا بدويا يقول: سمعت أبا هريرة يرويه إذا قرأ: {والمرسلات عرفا} فقرأ: {فبأي حديث بعده يؤمنون} ؟ فليقل: آمنت بالله وبما أنزل. وقد تقدم هذا الحديث في سورة "القيامة" (2) . آخر تفسير سورة "والمرسلات" [ولله الحمد والمنة] (3)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٣٠١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
كنين، لا يصيبهم أذى حر ولا قر، إذ كان الكافرون بالله في ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب {وعيون} [الحجر: 45] أنهار تجري خلال أشجار جناتهم. {وفواكه مما يشتهون} [المرسلات: 42] يأكلون منها كلما اشتهوا لا يخافون ضرها، ولا عاقبة مكروهها.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٦١١) ↗التحرير والتنوير
إن المتقين في ظلال وعيون (41) وفواكه مما يشتهون (42) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) إنا كذلك نجزي المحسنين (44) يجوز أن يكون هذا ختام الكلام الذي هو تقريع للمشركين حكي لهم فيه نعيم المؤمنين الذي لا يشاهده المشركون لبعدهم عن مكانه فيحكى لهم يومئذ فيما يقال لهم ليكون ذلك أشد حسرة عليهم وتنديما لهم على ما فرطوا فيه مما بادر إليه المتقون المؤمنون ففازوا، فيكون هذا من جملة القول الذي حذف فعله عند قوله: انطلقوا [المرسلات: 29] إلخ. ويجوز أن يكون هذا ابتداء كلام مستأنف انتقل به إلى ذكر نعيم المؤمنين المتقين تنويها بشأنهم وتعريضا بترغيب من المشركين الموجودين في الإقلاع عنه لينالوا كرامة المتقين. وظلال: جمع ظل، وهي ظلال كثيرة لكثرة شجر الجنة وكثرة المستظلين بظلها، ولأن لكل واحد منهم ظلا يتمتع فيه هو ومن إليه، وذلك أوقع في النعيم. والتعريف في المتقين للاستغراق فلكل واحد من المتقين كون في ظلال. وفي للظرفية وهي ظرفية حقيقية بالنسبة للظلال لأن المستظل يكون مظروفا في الظل، وظرفية مجازية بالنسبة للعيون والفواكه تشبيها لكثرة ما حولهم من العيون والفواكه بإحاطة الظروف، وقوله: مما يشتهون صفة فواكه. وجمع فواكه الفواكه وغيرها، فالتبعيض الذي دل عليه حرف (من) تبعيض من أصناف الشهوات لا من أصناف الفواكه فأفاد أن تلك الفواكه مضمومة إلى ملاذ أخرى مما اشتهوه. وجملة كلوا واشربوا مقول قول محذوف، وذلك المحذوف في موقع الحال من المتقين، والتقدير: مقولا لهم كلوا واشربوا. والمقصود من ذلك القول كرامتهم بعرض تناول النعيم عليهم كما يفعله المضيف لضيوفه فالأمر في كلوا واشربوا مستعمل في العرض.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٤٤٣) ↗