سورة الإنسان · الآية ٧
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه به من السلاسل والأغلال والسعير، وهو اللهب والحريق في نار جهنم، كما قال: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون} [غافر: 71، 72] . ولما ذكر ما أعده (1) لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا} وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة. قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل؛ ولهذا قال: {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} أي: هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفا بلا مزج ويروون بها؛ ولهذا ضمن يشرب "يروى" حتى عداه بالباء، ونصب {عينا} على التمييز. قال بعضهم: هذا الشراب (2) في طيبه كالكافور. وقال بعضهم: هو من عين كافور. وقال بعضهم: يجوز أن يكون منصوبا ب {يشرب} حكى هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير. وقوله: {يفجرونها تفجيرا} أي: يتصرفون فيها حيث شاؤوا وأين شاؤوا، من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم. والتفجير هو الإنباع، كما قال تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء: 90] . وقال: {وفجرنا خلالهما نهرا} [الكهف: 33] . وقال مجاهد: {يفجرونها تفجيرا} يقودونها حيث شاؤوا، وكذا قال عكرمة، وقتادة. وقال الثوري: يصرفونها حيث شاؤوا. وقوله: {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا} أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من [فعل] (3) الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢٨٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بالنذور التي كانوا ينذرونها في طاعة الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٥٤١) ↗التحرير والتنوير
و (التفجير) : فتح الأرض عن الماء أي استنباط الماء الغزير وأطلق هنا على الاستقاء منها بلا حد ولا نضوب فكان كل واحد يفجر لنفسه ينبوعا وهذا من الاستعارة. وأكد فعل يفجرونها تفجيرا ترشيحا للاستعارة. [7] يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) اعتراض بين جملة يشربون من كأس [الإنسان: 5] إلخ وبين جملة ويطاف عليهم بآنية من فضة [الإنسان: 15] إلخ. وهذا الاعتراض استئناف بياني هو جواب عن سؤال من شأن الكلام السابق أن يثيره في نفسه السامع المغتبط بأن ينال مثل ما نالوا من النعيم والكرامة في الآخرة. فيهتم بأن يفعل مثل ما فعلوا، فذكر بعض أعمالهم الصالحة التي هي من آثار الإيمان مع التعريض لهم بالاستزادة منها في الدنيا. والكلام إخبار عنهم صادر في وقت نزول هذه الآيات، بعضه وصف لحالهم في الآخرة وبعضه وصف لبعض حالهم في الدنيا الموجب لنوال ما نالوه في الآخرة، فلا حاجة إلى قول الفراء: إن في الكلام إضمارا وتقديره: كانوا يوفون بالنذر. وليست الجملة حالا من الأبرار [الإنسان: 5] وضميرهم لأن الحال قيد لعاملها فلو جعلت حالا لكانت قيدا ل يشربون [الإنسان: 5] ، وليس وفاؤهم بالنذر بحاصل في وقت شربهم من خمر الجنة بل هو بما أسلفوه في الحياة الدنيا. والوفاء: أداء ما وجب على المؤدي وافيا دون نقص ولا تقصير فيه. والنذر: ما يعتزمه المرء ويعقد عليه نيته، قال عنترة: والناذرين إذا لم ألقهما دمي والمراد به هنا ما عقدوا عليه عزمهم من الإيمان والامتثال وهو ما استحقوا به صفة الأبرار [الإنسان: 5] . ويجوز أن يراد بالنذر ما ينذرونه من فعل الخير المتقرب به إلى الله، أي ينشئون النذور بها ليوجبوها على أنفسهم. وجيء بصيغة المضارع للدلالة على تجدد وفائهم بما عقدوا عليه ضمائرهم من
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٨٢) ↗