سورة الإنسان · الآية ٢٨
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى ممتنا على رسوله صلى الله عليه وسلم بما نزله عليه من القرآن العظيم تنزيلا {فاصبر لحكم ربك} أي: كما أكرمتك بما أنزلت عليك، فاصبر على قضائه وقدره، واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره، {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} أي: لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدك عما أنزل إليك (1) بل بلغ ما أنزل إليك من ربك، وتوكل على الله؛ فإن الله يعصمك من الناس. فالآثم هو الفاجر في أفعاله، والكفور هو الكافر بقلبه. {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا} أي: أول النهار وآخره. {ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا} كقوله: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] وكقوله: {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا} [المزمل: 1-4] . ثم قال: منكرا على الكفار ومن أشبههم في حب الدنيا والإقبال عليها والانصباب إليها، وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم: {إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا} يعني: يوم القيامة. ثم قال: {نحن خلقناهم وشددنا أسرهم} قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني خلقهم. {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا} أي: وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة، وبدلناهم فأعدناهم خلقا جديدا. وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة. وقال ابن زيد، وابن جرير: {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا} [أي] (2) : وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم، كقوله: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك (3) قديرا} [النساء: 133] وكقوله: {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز} [إبراهيم: 19، 20، وفاطر 16، 17] . ثم قال تعالى: {إن هذه} يعني: هذه السورة {تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} أي طريقا ومسلكا، أي: من شاء اهتدى بالقرآن، كقوله: {وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما} [النساء: 39] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢٩٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فأحسن أسره، بمعنى: قد خلق فأحسن خلقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٥٧٥) ↗التحرير والتنوير
28] نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (28) لما كان الإخبار عنهم بأنهم يذرون وراءهم يوما ثقيلا [الإنسان: 27] يتضمن أنهم ينكرون وقوع ذلك اليوم كما قدمناه وكان الباعث لهم على إنكاره شبهة استحالة إعادة الأجساد بعد بلاها وفنائها، وكان الكلام السابق مسوقا مساق الذم لهم والإنكار عليهم جيء هنا بما هو دليل للإنكار عليهم وإبطال لشبهتهم ببيان إمكان إعادة خلقهم يعيده الذي خلقهم أول مرة كما قال تعالى: فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة [الإسراء: 51] وغير ذلك من الآيات الحائمة حول هذا المعنى. وافتتاح الجملة بالمبتدأ المخبر عنه بالخبر الفعلي دون أن تفتتح ب خلقناهم أو نحن خالقون، لإفادة تقوي الخبر وتحقيقه بالنظر إلى المعنيين بهذا الكلام وإن لم يكن خطابا لهم ولكنهم هم المقصود منه. وتقوية الحكم بناء على تنزيل أولئك المخلوقين منزلة من يشك في أن الله خلقهم حيث لم يجرؤوا على موجب العلم فأنكروا أن الله يعيد الخلق بعد البلى، فكأنهم يسندون الخلق الأول لغيره. وتقوي الحكم يترتب عليه أنه إذا شاء بدل أمثالهم بإعادة أجسادهم فلذلك لم يحتج إلى تأكيد جملة: وإذا شئنا بدلنا أمثالهم، استغناء بتولد معناها عن معنى التي قبلها وإن كان هو أولى بالتقوية على مقتضى الظاهر. وهذا التقوي هنا مشعر بأن كلاما يعقبه هو مصب التقوي، ونظيره في التقوي والتفريع قوله تعالى: نحن خلقناكم فلولا تصدقون أفرأيتم ما تمنون إلى قوله: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم فإن المفرع هو أفرأيتم ما تمنون وما اتصل به. وجملة فلولا تصدقون معترضة وقد مضى في سورة الواقعة [57- 61] . ف أمثالهم: هي الأجساد الثانية إذ هي أمثال لأجسادهم الموجودة حين التنزيل. والشد: الإحكام وإتقان ارتباط أجزاء الجسد بعضها ببعض بواسطة العظام والأعصاب والعروق إذ بذلك يستقل الجسم. والأسر: الربط، وأطلق هنا على الإحكام والإتقان على وجه الاستعارة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٤٠٩) ↗