سورة الإنسان · الآية ٢٢
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{ودانية عليهم ظلالها} أي: قريبة إليهم أغصانها، {وذللت قطوفها تذليلا} أي: متى تعاطاه دنا القطف إليه وتدلى من أعلى غصنه، كأنه سامع طائع، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وجنى الجنتين دان} [الرحمن: 54] وقال تعالى {قطوفها دانية} [الحاقة: 23] قال (1) مجاهد: {وذللت قطوفها تذليلا} إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلت (2) له حتى ينالها، وإن اضطجع تدلت (3) له حتى ينالها، فذلك قوله: {تذليلا} وقال قتادة: لا يرد أيديهم عنها شوك ولا بعد. وقال مجاهد: أرض الجنة من ورق، وترابها المسك، وأصول شجرها من ذهب وفضة، وأفنانها من اللؤلؤ الرطب والزبرجد والياقوت، والورق والثمر بين ذلك. فمن أكل منها قائما لم يؤذه، ومن أكل منها قاعدا لم يؤذه، ومن أكل منها مضطجعا لم يؤذه. وقوله: {ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب} أي: يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام، وهي من فضة، وأكواب الشراب وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم. وقوله (4) : {قوارير قوارير من فضة} فالأول منصوب بخبر "كان" أي: كانت قوارير. والثاني منصوب إما على البدلية (5) أو تمييز؛ لأنه بينه بقوله: {قوارير من فضة} قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن البصري، وغير واحد: بياض الفضة في صفاء الزجاج، والقوارير لا تكون إلا من زجاج. فهذه الأكواب هي من فضة، وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا. قال ابن المبارك، عن إسماعيل، عن رجل، عن ابن عباس: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {قدروها تقديرا} أي: على قدر ريهم، لا تزيد عنه ولا تنقص، بل هي معدة لذلك، مقدرة بحسب ري صاحبها. هذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، وقتادة، وابن أبزى، وعبد الله بن عبيد الله بن عمير، وقتادة، والشعبي، وابن زيد. وقاله ابن جرير وغير واحد. وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة. وقال العوفي، عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تعملون من الصالحات. {وكان سعيكم مشكورا} [الإنسان: 22] يقول: كان عملكم فيها مشكورا، حمدكم عليه ربكم، ورضيه لكم، فأثابكم بما أثابكم به من الكرامة عليه. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا} [الإنسان: 22] غفر لهم الذنب، وشكر لهم الحسن حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: تلا قتادة {وكان سعيكم مشكورا} [الإنسان: 22] قال: لقد شكر الله سعيا قليلا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٥٧٢) ↗التحرير والتنوير
إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (22) هذا الكلام مقول قول محذوف قرينته الخطاب إذ ليس يصلح لهذا الخطاب مما تقدم من الكلام إلا أن يكون المخاطبون هم الأبرار الموصوف نعيمهم. والقول المحذوف يقدر فعلا في موضع الحال من ضمير الغائب في سقاهم [الإنسان: 21] ، نحو: يقال لهم، أو يقول لهم ربهم، أو يقدر اسما هو حال من ذلك الضمير نحو: مقولا لهم هذا اللفظ، أو قائلا لهم هذا اللفظ. والإشارة إلى ما يكون حاضرا لديهم من ألوان النعيم الموصوف فيما مضى من الآيات. والمقصود من ذلك الثناء عليهم بما أسلفوا من تقوى الله وتكرمتهم بذلك وتنشيط أنفسهم بأن ما أنعم به عليهم هو حق لهم جزاء على عملهم. وإقحام فعل كان للدلالة على تحقيق كونه جزاء لا منا عليهم بما لم يستحقوا، فإن من تمام الإكرام عند الكرام أن يتبعوا كرامتهم بقول ينشط له المكرم ويزيل عنه ما يعرض من خجل ونحوه، أي هو جزاء حقا لا مبالغة في ذلك. وعطف على ذلك قوله: وكان سعيكم مشكورا علاوة على إيناسهم بأن ما أغدق عليهم كان جزاء لهم على ما فعلوا بأن سعيهم الذي كان النعيم جزاء عليه، هو سعي مشكور، أي مشكور ساعيه، فأسند المشكور إلى السعي على طريقة المجاز العقلي مثل قولهم: سيل مفعم. ولك أن تجعل مشكورا مفعولا حقيقة عقلية لكن على طريقة الحذف والإيصال، أي مشكورا عليه. وإقحام فعل كان كإقحام نظيره آنفا.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٤٠١) ↗