البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة القيامة · الآية ٣٦

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يعظ تعالى عباده، بذكر حال المحتضر عند السياق، وأنه إذا بلغت روحه التراقي، وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، فحينئذ يشتد الكرب، ويطلب كل وسيلة وسبب، يظن أن يحصل به الشفاء والراحة، ولهذا قال: { وقيل من راق } أي: من يرقيه، من الرقية، لأنهم انقطعت آمالهم من الأسباب العادية، فلم يبق إلا الأسباب الإلهية. ولكن القضاء والقدر، إذا حتم وجاء فلا مرد له، { وظن أنه الفراق } للدنيا. { والتفت الساق بالساق } أي: اجتمعت الشدائد والتفت، وعظم الأمر وصعب الكرب، وأريد أن تخرج الروح التي ألفت البدن ولم تزل معه، فتساق إلى الله تعالى، حتى يجازيها بأعمالها، ويقررها بفعالها. فهذا الزجر، [الذي ذكره الله] يسوق القلوب إلى ما فيه نجاتها، ويزجرها عما فيه هلاكها. ولكن المعاند الذي لا تنفع فيه الآيات، لا يزال مستمرا على بغيه وكفره وعناده. { فلا صدق } أي: لا آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره { ولا صلى * ولكن كذب } بالحق في مقابلة التصديق، { وتولى } عن الأمر والنهي، هذا وهو مطمئن قلبه، غير خائف من ربه، بل يذهب { إلى أهله يتمطى } أي: ليس على باله شيء، توعده بقوله: { أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى } وهذه كلمات وعيد، كررها لتكرير وعيده، ثم ذكر الإنسان بخلقه الأول، فقال: { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } أي: معطلا، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب؟ هذا حسبان باطل، وظن بالله بغير ما يليق بحكمته. { ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان } بعد المني { علقة } أي: دما، { فخلق } الله منها الحيوان وسواه أي: أتقنه وأحكمه، { فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى * أليس ذلك } الذي خلق الإنسان [وطوره إلى] الأطوار المختلفة { بقادر على أن يحيي الموتى } بلى إنه على كل شيء قدير.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: القيامة ٢٦–٤٠) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

{وقيل من راق} قال: عكرمة، عن ابن عباس: أي من راق يرقي؟ وكذا قال أبو قلابة: {وقيل من راق} أي: من طبيب شاف. وكذا قال قتادة، والضحاك، وابن زيد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس: {وقيل من راق} قال: قيل: من يرقى بروحه: ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة. وبهذا الإسناد، عن ابن عباس في قوله: {والتفت الساق بالساق} قال: التفت عليه الدنيا والآخرة. وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {والتفت الساق بالساق} يقول: آخر يوم في الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحم الله. وقال عكرمة: {والتفت الساق بالساق} الأمر العظيم بالأمر العظيم. وقال مجاهد: بلاء ببلاء. وقال الحسن البصري في قوله: {والتفت الساق بالساق} هما ساقاك إذا التفتا (1) . وفي رواية عنه: ماتت رجلاه فلم تحملاه، وقد كان عليها جوالا. وكذا قال السدي، عن أبي مالك. وفي رواية عن الحسن: هو لفهما في الكفن. وقال الضحاك: {والتفت الساق بالساق} اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه. وقوله: {إلى ربك يومئذ المساق} أي: المرجع والمآب، وذلك أن الروح ترفع إلى السماوات، فيقول الله عز وجل: ردوا عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. كما ورد في حديث البراء الطويل. وقد قال الله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين} [الأنعام: 61، 62] . وقوله: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى} هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبا للحق بقلبه، متوليا عن العمل بقالبه، فلا خير فيه باطنا ولا ظاهرا، ولهذا قال: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٥٢٢) ↗

التحرير والتنوير

قال قتادة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد فاستقبله أبو جهل على باب بني مخزوم فأخذ رسول الله فلبب أبا جهل بثيابه وقال له أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى قال أبو جهل: يتهددني محمد (أي يستعمل كلمة الدعاء في إرادة التهديد) فو الله إني لأعز أهل الوادي. وأنزل الله تعالى أولى لك فأولى كما قال لأبي جهل. وقوله: ثم أولى لك فأولى تأكيد للدعاء عليه ولتأكيده السابق. وجيء بحرف ثم لعطف الجملة دلالة على أن هذا التأكيد ارتقاء في الوعيد، وتهديد بأشد مما أفاده التهديد الأول وتأكيده كقوله تعالى: كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون [التكاثر: 3، 4] . وأحسب أن المراد: كل إنسان كافر كما يقتضيه أول الكلام من قوله أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه إلى قوله: بل الإنسان على نفسه بصيرة [القيامة: 3- 14] ، وما أبو جهل إلا من أولهم، وأن النبيء صلى الله عليه وسلم توعده باللفظ الذي أنزله الله تهديدا لأمثاله. وكلمات المتقدمين في كون الشيء سبب نزول شيء من القرآن كلمات فيها تسامح. [36] أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) استئناف ابتدائي عاد به الكلام إلى الاستدلال على إمكان البعث وهو ما ابتدئ به فارتبط بقوله: أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه [القيامة: 3] فكأنه قيل: أيحسب أن لن نجمع عظامه ويحسب أن نتركه في حالة العدم. وزيد هنا أن مقتضى الحكمة الإلهية إيقاعه بقوله: أن يترك سدى كما ستعلمه. والاستفهام إنكاري مثل الذي سبقه في قوله تعالى: أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه [القيامة: 3] . وأصل معنى الترك: مفارقة شيء شيئا اختيارا من التارك، ويطلق مجازا على

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٦٤) ↗