سورة القيامة · الآية ٢٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: هذا الذي أوجب لكم الغفلة والإعراض عن وعظ الله وتذكيره أنكم { تحبون العاجلة } وتسعون فيما يحصلها، وفي لذاتها وشهواتها، وتؤثرونها على الآخرة، فتذرون العمل لها، لأن الدنيا نعيمها ولذاتها عاجلة، والإنسان مولع بحب العاجل، والآخرة متأخر ما فيها من النعيم المقيم، فلذلك غفلتم عنها وتركتموها، كأنكم لم تخلقوا لها، وكأن هذه الدار هي دار القرار، التي تبذل فيها نفائس الأعمار، ويسعى لها آناء الليل والنهار، وبهذا انقلبت عليكم الحقيقة، وحصل من الخسار ما حصل. فلو آثرتم الآخرة على الدنيا، ونظرتم للعواقب نظر البصير العاقل لأنجحتم، وربحتم ربحا لا خسار معه، وفزتم فوزا لا شقاء يصحبه. ثم ذكر ما يدعو إلى إيثار الآخرة، ببيان حال أهلها وتفاوتهم فيها، فقال في جزاء المؤثرين للآخرة على الدنيا: { وجوه يومئذ ناضرة } أي: حسنة بهية، لها رونق ونور، مما هم فيه من نعيم القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح، { إلى ربها ناظرة } أي: تنظر إلى ربها على حسب مراتبهم: منهم من ينظره كل يوم بكرة وعشيا، ومنهم من ينظره كل جمعة مرة واحدة، فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وجماله الباهر، الذي ليس كمثله شيء، فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم، وحصل لهم من اللذة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ونضرت وجوههم فازدادوا جمالا إلى جمالهم، فنسأل الله الكريم أن يجعلنا معهم. وقال في المؤثرين العاجلة على الآجلة: { ووجوه يومئذ باسرة } أي: معبسة ومكدرة، خاشعة ذليلة { تظن أن يفعل بها فاقرة } أي: عقوبة شديدة، وعذاب أليم، فلذلك تغيرت وجوههم وعبست.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: القيامة ٢٠–٢٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… طريق العوفي، عن ابن عباس: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} قال: كان لا يفتر من القراءة مخافة أن ينساه، فقال الله: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا} أن نجمعه لك {وقرآنه} أن نقرئك فلا تنسى. وقال ابن عباس وعطية العوفي: {ثم إن علينا بيانه} تبيين حلاله وحرامه. وكذا قال قتادة. وقوله: {كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة} أي: إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة ومخالفة ما أنزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم من الوحي الحق والقرآن العظيم: إنهم إنما همتهم إلى الدار الدنيا العاجلة، وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة. ثم قال تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة} من النضارة، أي حسنة بهية مشرقة مسرورة، {إلى ربها ناظرة} أي: تراه عيانا، كما رواه البخاري، رحمه الله، في صحيحه: "إنكم سترون ربكم عيانا". (4) وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها؛ لحديث أبي سعيد وأبي هريرة -وما في الصحيحين-: أن ناسا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: "هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ " قالوا: لا. قال: "فإنكم ترون ربكم كذلك". (5) وفي الصحيحين عن جرير قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢٧٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
من أنكم لا PageEndV23P505 تبعثون بعد مماتكم، ولا تجازون بأعمالكم، لكن الذي دعاكم إلى قيل ذلك محبتكم الدنيا العاجلة، وإيثاركم شهواتها على آجل الآخرة ونعيمها، فأنتم تؤمنون بالعاجلة، وتكذبون بالآجلة.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٥٠٤) ↗التحرير والتنوير
تحقيق معنى الكسب الذي وفق إلى بيانه الشيخ أبو الحسن الأشعري وهو الميل والمحبة للفعل أو الترك. [22- 25] 25] وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ووجوه يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة (25) المراد ب يومئذ يوم القيامة الذي تكرر ذكره بمثل هذا ابتداء من قوله: يقول الإنسان يومئذ أين المفر [القيامة: 10] ، وأعيد مرتين. والجملة المقدرة المضاف إليها (إذ) ، والمعوض عنها التنوين تقديرها: يوم إذ برق البصر. وقد حصل من هذا تخلص إلى إجمال حال الناس يوم القيامة بين أهل سعادة وأهل شقاوة. فالوجوه الناضرة وجوه أهل السعادة والوجوه الباسرة وجوه أهل الشقاء، وذلك بين من كلتا الجملتين. وقد علم الناس المعني بالفريقين مما سبق نزوله من القرآن كقوله في سورة عبس [40- 42] : ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة فعلم أن أصل أسباب السعادة الإيمان بالله وحده وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم والإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن أصل أسباب الشقاء الإشراك بالله وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ونبذ ما جاء به. وقد تضمن صدر هذه السورة ما ينبىء بذلك كقوله: أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه [القيامة: 3] وقوله: بل يريد الإنسان ليفجر أمامه [القيامة: 5] . وتنكير وجوه للتنويع والتقسيم كقوله تعالى: فريق في الجنة وفريق في السعير [الشورى: 7] وقول الشاعر وهو من أبيات «كتاب الآداب» ولم يعزه ولا عزاه صاحب «العباب» في شرحه: فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر وقول أبي الطيب:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٥٢) ↗