البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة القيامة · الآية ٢١

﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: هذا الذي أوجب لكم الغفلة والإعراض عن وعظ الله وتذكيره أنكم { تحبون العاجلة } وتسعون فيما يحصلها، وفي لذاتها وشهواتها، وتؤثرونها على الآخرة، فتذرون العمل لها، لأن الدنيا نعيمها ولذاتها عاجلة، والإنسان مولع بحب العاجل، والآخرة متأخر ما فيها من النعيم المقيم، فلذلك غفلتم عنها وتركتموها، كأنكم لم تخلقوا لها، وكأن هذه الدار هي دار القرار، التي تبذل فيها نفائس الأعمار، ويسعى لها آناء الليل والنهار، وبهذا انقلبت عليكم الحقيقة، وحصل من الخسار ما حصل. فلو آثرتم الآخرة على الدنيا، ونظرتم للعواقب نظر البصير العاقل لأنجحتم، وربحتم ربحا لا خسار معه، وفزتم فوزا لا شقاء يصحبه. ثم ذكر ما يدعو إلى إيثار الآخرة، ببيان حال أهلها وتفاوتهم فيها، فقال في جزاء المؤثرين للآخرة على الدنيا: { وجوه يومئذ ناضرة } أي: حسنة بهية، لها رونق ونور، مما هم فيه من نعيم القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح، { إلى ربها ناظرة } أي: تنظر إلى ربها على حسب مراتبهم: منهم من ينظره كل يوم بكرة وعشيا، ومنهم من ينظره كل جمعة مرة واحدة، فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وجماله الباهر، الذي ليس كمثله شيء، فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم، وحصل لهم من اللذة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ونضرت وجوههم فازدادوا جمالا إلى جمالهم، فنسأل الله الكريم أن يجعلنا معهم. وقال في المؤثرين العاجلة على الآجلة: { ووجوه يومئذ باسرة } أي: معبسة ومكدرة، خاشعة ذليلة { تظن أن يفعل بها فاقرة } أي: عقوبة شديدة، وعذاب أليم، فلذلك تغيرت وجوههم وعبست.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: القيامة ٢٠–٢٥) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… شفتيه، يتلقى أوله ويحرك به شفتيه خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره، فأنزل الله: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} وهكذا قال الشعبي، والحسن البصري، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد: إن هذه الآية نزلت في ذلك. وقد روى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} قال: كان لا يفتر من القراءة مخافة أن ينساه، فقال الله: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا} أن نجمعه لك {وقرآنه} أن نقرئك فلا تنسى. وقال ابن عباس وعطية العوفي: {ثم إن علينا بيانه} تبيين حلاله وحرامه. وكذا قال قتادة. وقوله: {كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة} أي: إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة ومخالفة ما أنزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم من الوحي الحق والقرآن العظيم: إنهم إنما همتهم إلى الدار الدنيا العاجلة، وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة. ثم قال تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة} من النضارة، أي حسنة بهية مشرقة مسرورة، {إلى ربها ناظرة} أي: تراه عيانا، كما رواه البخاري، رحمه الله، في صحيحه: "إنكم سترون ربكم عيانا". (4) وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها؛ لحديث أبي سعيد وأبي هريرة -وما في الصحيحين-: أن ناسا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: "هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ " قالوا: لا. قال: "فإنكم ترون ربكم كذلك". (5) وفي الصحيحين عن جرير قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢٧٩) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

من أنكم لا PageEndV23P505 تبعثون بعد مماتكم، ولا تجازون بأعمالكم، لكن الذي دعاكم إلى قيل ذلك محبتكم الدنيا العاجلة، وإيثاركم شهواتها على آجل الآخرة ونعيمها، فأنتم تؤمنون بالعاجلة، وتكذبون بالآجلة.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٥٠٤) ↗

التحرير والتنوير

لفظ بيانه خاصة، فلو أريد الاحتجاج بالآية للزم أن يكون تأخير البيان حقا لا يخلو عنه البيان وذلك غير صحيح. [20- 21] 21] كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الآخرة (21) رجوع إلى مهيع الكلام الذي بنيت عليه السورة كما يرجع المتكلم إلى وصل كلامه بعد أن قطعه عارض أو سائل، فكلمة كلا ردع وإبطال. يجوز أن يكون إبطالا لما سبق من قوله: أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه إلى قوله: ولو ألقى معاذيره [القيامة: 3- 15] ، فأعيد كلا تأكيدا لنظيره ووصلا للكلام بإعادة آخر كلمة منه. والمعنى: أن مزاعمهم باطلة. وقوله 9: بل تحبون العاجلة إضراب إبطالي يفصل ما أجمله الردع ب كلا من إبطال ما قبلها وتكذيبه، أي لا معاذير لهم في نفس الأمر ولكنهم أحبوا العاجلة، أي شهوات الدنيا وتركوا الآخرة، والكلام مشعر بالتوبيخ ومناط التوبيخ هو حب العاجلة مع نبذ الآخرة (فأما لو أحب أحد العاجلة وراعى الآخرة، أي جرى على الأمر والنهي الشرعيين لم يكن مذموما. قال تعالى فيما حكاه عن الذين أوتوا العلم من قوم قارون وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا [القصص: 77] . ويجوز أن يكون إبطالا لما تضمنه قوله: ولو ألقى معاذيره [القيامة: 15] فهو استئناف ابتدائي. والمعنى: أن معاذيرهم باطلة ولكنهم يحبون العاجلة ويذرون الآخرة، أي آثروا شهواتهم العاجلة ولم يحسبوا للآخرة حسابا. وقرأ الجمهور تحبون وتذرون بتاء فوقية على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في موعظة المشركين مواجهة بالتفريع لأن ذلك أبلغ فيه. وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بياء تحتية على نسق ضمائر الغيبة السابقة، والضمير عائد إلى الإنسان في قوله: بل الإنسان على نفسه بصيرة [القيامة: 14] جاء ضمير جمع لأن الإنسان مراد به الناس المشركون، وفي قوله: بل تحبون ما يرشد إلى

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٥١) ↗