سورة المزمل · الآية ٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
المزمل: المتغطي بثيابه كالمدثر، وهذا الوصف حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال [وحيه بإرسال] جبريل إليه، فرأى أمرا لم ير مثله، ولا يقدر على الثبات له إلا المرسلون، فاعتراه في ابتداء ذلك انزعاج حين رأى جبريل عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال: " زملوني زملوني " وهو ترعد فرائصه، ثم جاءه جبريل، فقال: " اقرأ " فقال: " ما أنا بقارئ " ، فغطه حتى بلغ منه الجهد، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ صلى الله عليه وسلم، ثم ألقى الله عليه الثبات، وتابع عليه الوحي، حتى بلغ مبلغا ما بلغه أحد من المرسلين. فسبحان الله، ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوته ونهايتها، ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وجد منه في أول أمره. فأمره هنا بالعبادات المتعلقة به، ثم أمره بالصبر على أذية أعدائه، ثم أمره بالصدع بأمره، وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكد الأوقات وأفضلها، وهو قيام الليل. ومن رحمته تعالى، أنه لم يأمره بقيام الليل كله، بل قال: { قم اليل إلا قليلا } ، ثم قدر ذلك فقال: { نصفه أو انقص منه } أي: من النصف { قليلا } بأن يكون الثلث ونحوه، { أو زد عليه } أي: على النصف، فيكون الثلثين ونحوها. { ورتل القرآن ترتيلا } فإن ترتيل القرآن به يحصل التدبر والتفكر، وتحريك القلوب به، والتعبد بآياته، والتهيؤ والاستعداد التام له، فإنه قال: { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف، حقيق أن يتهيأ له، ويرتل، ويتفكر فيما يشتمل عليه. ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال: { إن ناشئة الليل } أي: الصلاة فيه بعد النوم { هي أشد وطأ وأقوم قيلا } أي: أقرب إلى تحصيل مقصود القرآن، يتواطأ على القرآن القلب واللسان، وتقل الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره، وهذا بخلاف النهار، فإنه لا يحصل به …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
زملت القرآن. وقوله: {نصفه} بدل من الليل {أو انقص منه قليلا. أو زد عليه} أي: أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل، لا حرج عليك في ذلك. وقوله: {ورتل القرآن ترتيلا} أي: اقرأه على تمهل، فإنه يكون عونا على فهم القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه، قالت عائشة: كان يقرأ السورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها. وفي صحيح البخاري، عن أنس: أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كانت مدا، ثم قرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم. (1) وقال ابن جريج، عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة: أنها سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان يقطع قراءته آية آية، {بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي. (2) وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقال لصاحب (3) القرآن: اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها". ورواه أبو داود، والترمذي والنسائي، من حديث سفيان الثوري، به (4) وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد قدمنا في أول التفسير الأحاديث الدالة على استحباب الترتيل وتحسين الصوت بالقراءة، كما جاء في الحديث: "زينوا القرآن بأصواتكم"، و "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، و "لقد أوتي هذا مزمار من مزامير آل داود" يعني: أبا موسى، فقال أبو موسى: لو كنت أعلم أنك كنت تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا. (5) وعن ابن مسعود أنه قال: لا تنثروه نثر الرمل (6) ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. رواه البغوي. (7) وقال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مرة: سمعت أبا وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل (8) الليلة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
دون سائر الأشياء غيره؛ وهو من قولهم: تبتلت هذا الأمر؛ ومنه قيل لأم عيسى ابن مريم البتول، لانقطاعها إلى الله؛ ويقال للعابد المنقطع عن الدنيا وأسبابها إلى عبادة الله: قد تبتل؛ ومنه الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن التبتل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٣٧٧) ↗التحرير والتنوير
وفسر ابن عباس السبح بالفراغ، أي لينام في النهار، وقال ابن وهب عن ابن زيد قال: فراغا طويلا لحوائجك فافرغ لدينك بالليل. والطويل: وصف من الطول، وهو ازدياد امتداد القامة أو الطريق أو الثوب على مقادير أكثر أمثاله. فالطول من صفات الذوات، وشاع وصف الزمان به يقال: ليل طويل وفي الحديث «الشتاء ربيع المؤمن قصر نهاره فصامه وطال ليله فقامه» . وأما وصف السبح ب (طويل) في هذه الآية فهو مجاز عقلي لأن الطويل هو مكان السبح وهو الماء المسبوح فيه. وبعد هذا ففي قوله طويلا ترشيح لاستعارة السبح للعمل في النهار. [8- 9] واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) عطف على قم الليل [المزمل: 2] وقصد بإطلاق الأمر عن تعيين زمان إلى إفادة تعميمه، أي اذكر اسم ربك في الليل وفي النهار كقوله: واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا [الإنسان: 25] . وإقحام كلمة اسم لأن المأمور به ذكر اللسان وهو جامع للتذكر بالعقل لأن الألفاظ تجري على حسب ما في النفس، ألا ترى إلى قوله تعالى: واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول [الأعراف: 205] . والتبتل: شدة البتل، وهو مصدر تبتل القاصر الذي هو مطاوع بتله ف تبتل وهو هنا للمطاوعة المجازية يقصد من صيغتها المبالغة في حصول الفعل حتى كأنه فعله غيره به فطاوعه، والتبتل: الانقطاع وهو هنا انقطاع مجازي، أي تفرغ البال والفكر إلى ما يرضي الله، فكأنه انقطع عن الناس وانحاز إلى جانب الله فعدي ب «إلى» الدالة على الانتهاء، قال امرؤ القيس: منارة ممسى راهب متبتل والتبتيل: مصدر بتل المشدد الذي هو فعل متعد مثل التقطيع.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٢٦٥) ↗