سورة المزمل · الآية ٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
المزمل: المتغطي بثيابه كالمدثر، وهذا الوصف حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال [وحيه بإرسال] جبريل إليه، فرأى أمرا لم ير مثله، ولا يقدر على الثبات له إلا المرسلون، فاعتراه في ابتداء ذلك انزعاج حين رأى جبريل عليه السلام، فأتى إلى أهله، فقال: " زملوني زملوني " وهو ترعد فرائصه، ثم جاءه جبريل، فقال: " اقرأ " فقال: " ما أنا بقارئ " ، فغطه حتى بلغ منه الجهد، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ صلى الله عليه وسلم، ثم ألقى الله عليه الثبات، وتابع عليه الوحي، حتى بلغ مبلغا ما بلغه أحد من المرسلين. فسبحان الله، ما أعظم التفاوت بين ابتداء نبوته ونهايتها، ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وجد منه في أول أمره. فأمره هنا بالعبادات المتعلقة به، ثم أمره بالصبر على أذية أعدائه، ثم أمره بالصدع بأمره، وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي الصلاة، وبآكد الأوقات وأفضلها، وهو قيام الليل. ومن رحمته تعالى، أنه لم يأمره بقيام الليل كله، بل قال: { قم اليل إلا قليلا } ، ثم قدر ذلك فقال: { نصفه أو انقص منه } أي: من النصف { قليلا } بأن يكون الثلث ونحوه، { أو زد عليه } أي: على النصف، فيكون الثلثين ونحوها. { ورتل القرآن ترتيلا } فإن ترتيل القرآن به يحصل التدبر والتفكر، وتحريك القلوب به، والتعبد بآياته، والتهيؤ والاستعداد التام له، فإنه قال: { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف، حقيق أن يتهيأ له، ويرتل، ويتفكر فيما يشتمل عليه. ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال: { إن ناشئة الليل } أي: الصلاة فيه بعد النوم { هي أشد وطأ وأقوم قيلا } أي: أقرب إلى تحصيل مقصود القرآن، يتواطأ على القرآن القلب واللسان، وتقل الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره، وهذا بخلاف النهار، فإنه لا يحصل به …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
زملت القرآن. وقوله: {نصفه} بدل من الليل {أو انقص منه قليلا. أو زد عليه} أي: أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل، لا حرج عليك في ذلك. وقوله: {ورتل القرآن ترتيلا} أي: اقرأه على تمهل، فإنه يكون عونا على فهم القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه، قالت عائشة: كان يقرأ السورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها. وفي صحيح البخاري، عن أنس: أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كانت مدا، ثم قرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم. (1) وقال ابن جريج، عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة: أنها سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان يقطع قراءته آية آية، {بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي. (2) وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقال لصاحب (3) القرآن: اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها". ورواه أبو داود، والترمذي والنسائي، من حديث سفيان الثوري، به (4) وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد قدمنا في أول التفسير الأحاديث الدالة على استحباب الترتيل وتحسين الصوت بالقراءة، كما جاء في الحديث: "زينوا القرآن بأصواتكم"، و "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، و "لقد أوتي هذا مزمار من مزامير آل داود" يعني: أبا موسى، فقال أبو موسى: لو كنت أعلم أنك كنت تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا. (5) وعن ابن مسعود أنه قال: لا تنثروه نثر الرمل (6) ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. رواه البغوي. (7) وقال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مرة: سمعت أبا وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل (8) الليلة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٣٦٤) ↗التحرير والتنوير
السماء والأرض فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده فقال: «دثروني» ، فيتعين أن سبب ندائه ب يا أيها المزمل كان عند قوله: «زملوني» ، فذلك عند ما اغتم من وصف المشركين إياه بالجنون وأن ذلك غير سبب ندائه ب يا أيها المدثر في سورة المدثر. وقيل: هو تزمل للاستعداد للصلاة فنودي يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا وهذا مروي عن قتادة. وقريب منه عن الضحاك وهي أقوال متقاربة. ومحملها على أن التزمل حقيقة، وقال عكرمة: معناه زملت هذا الأمر فقم به، يريد أمر النبوءة فيكون قوله: الليل إلا قليلا مع قوله: إن لك في النهار سبحا طويلا [المزمل: 7] تحريضا على استفراغ جهده في القيام بأمر التبليغ في جميع الأزمان من ليل ونهار إلا قليلا من الليل وهو ما يضطر إليه من الهجوع فيه. ومحمل التزمل عنده على المجاز. فإذا كانت سورة المزمل قد أنزلت قبل سورة المدثر كان ذلك دالا على أن الله تعالى بعد أن ابتدأ رسوله بالوحي بصدر سورة اقرأ باسم ربك [العلق: 1] ثم أنزل عليه سورة القلم لدحض مقالة المشركين فيه التي دبرها الوليد بن المغيرة أن يقولوا: إنه مجنون. أنزل عليه التلطف به على تزمله بثيابه لما اعتراه من الحزن من قول المشركين فأمره الله بأن يدفع ذلك عنه بقيام الليل، ثم فتر الوحي فلما رأى الملك الذي أرسل إليه بحراء تدثر من شدة وقع تلك الرؤية فأنزل عليه يا أيها المدثر. فنداء النبيء صلى الله عليه وسلم بوصف المزمل باعتبار حالته وقت ندائه وليس المزمل معدودا من أسماء النبيء صلى الله عليه وسلم، قال السهيلي: ولم يعرف به وذهب بعض الناس إلى عده من أسمائه. وفعل قم منزل منزلة اللازم فلا يحتاج إلى تقدير متعلق لأن القيام مراد به الصلاة، فهذا قيام مغاير للقيام المأمور به في سورة المدثر بقوله قم فأنذر [المدثر: 2] فإن ذلك بمعنى الشروع كما يأتي هنالك. والليل: زمن الظلمة من بعد العشاء إلى الفجر. وانتصب الليل على
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٢٥٧) ↗