سورة نوح · الآية ١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ بسم الله الرحمن الرحيم * إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك } إلى آخر السورة لم يذكر الله في هذه السورة سوى قصة نوح وحدها لطول لبثه في قومه، وتكرار دعوته إلى التوحيد، ونهيه عن الشرك، فأخبر تعالى أنه أرسله إلى قومه، رحمة بهم وإنذارا لهم من عذاب الله الأليم، خوفا من استمرارهم على كفرهم، فيهلكهم الله هلاكا أبديا، ويعذبهم عذابا سرمديا، فامتثل نوح عليه السلام لذلك، وابتدر لأمر الله، فقال: { يقوم إني لكم نذير مبين } أي: واضح النذارة بينها، وذلك لتوضيحه ما أنذر به وما أنذر عنه، وبأي: شيء تحصل النجاة، بين جميع ذلك بيانا شافيا، فأخبرهم وأمرهم بزبدة ما يأمرهم به، فقال: { أن اعبدوا الله واتقوه } وذلك بإفراده تعالى بالتوحيد والعبادة، والبعد عن الشرك وطرقه ووسائله، فإنهم إذا اتقوا الله غفر ذنوبهم، وإذا غفر ذنوبهم، حصل لهم النجاة من العذاب، والفوز بالثواب، { ويؤخركم إلى أجل مسمى } أي: يمتعكم في هذه الدار، ويدفع عنكم الهلاك إلى أجل مسمى أي: مقدر [البقاء في الدنيا] بقضاء الله وقدره [إلى وقت محدود]، وليس المتاع أبدا، فإن الموت لا بد منه، ولهذا قال: { إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } لما كفرتم بالله، وعاندتم الحق، فلم يجيبوا لدعوته، ولا انقادوا لأمره، فقال شاكيا لربه: { رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا } أي: نفورا عن الحق وإعراضا، فلم يبق لذلك فائدة، لأن فائدة الدعوة أن يحصل جميع المقصود أو بعضه، { وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم } أي: لأجل أن يستجيبوا، فإذا استجابوا، غفرت لهم، فكان هذا محض مصلحتهم، ولكنهم أبوا إلا تماديا على باطلهم، ونفورا عن الحق، { جعلوا أصابعهم في آذانهم } حذر سماع ما يقول لهم نبيهم نوح عليه السلام، { واستغشوا ثيابهم } أي: تغطوا بها غطاء يغشاهم، بعدا عن الحق وبغضا له، { وأصروا } على كفرهم وشرهم، { واستكبروا } على الحق { استكبارا } …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{إنا أرسلنا نوحا} [نوح: 1] وهو نوح بن لمك إلى قومه. {أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم} [نوح: 1] يقول: أرسلناه إليهم بأن أنذر قومك؛ فأن في موضع نصب في قول بعض أهل العربية، وفي موضع خفض في قول بعضهم. وقد بينت العلل لكل فريق منهم، والصواب عندنا من القول في ذلك فيما مضى من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وهي في قراءة عبد الله فيما ذكر «إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أنذر قومك» بغير أن وجاز ذلك لأن الإرسال بمعنى القول، فكأنه قيل: قلنا لنوح: أنذر قومك {من قبل أن يأتيهم عذاب أليم} [نوح: 1] وذلك العذاب الأليم هو الطوفان الذي غرقهم الله به.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٢٨٨) ↗التحرير والتنوير
الكتاب [المائدة: 48] كأنه قيل: وأنزلنا إليك أن احكم. فجعل (أن) مصدرية داخلة على فعل الأمر، أي فيكون المعنى: وأنزلنا إليك الأمر بالحكم بما أنزل الله كما قال في قوله: إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك [نوح: 1] ، أي أرسلناه بالأمر بالإنذار، وبين في سورة يونس [105] عند قوله تعالى: وأن أقم وجهك للدين حنيفا أن هذا قول سيبويه إذ سوغ أن توصل (أن) المصدرية بفعل الأمر والنهي لأن الغرض وصلها بما يكون معه معنى المصدر، والأمر والنهي يدلان على معنى المصدر، وعلله هنا بقوله: «لأن الأمر فعل كسائر الأفعال» . والحمل على التفسيرية أولى وأعرب، وتكون (أن) مقحمة بين الجملتين مفسرة لفعل أنزل من قوله: فاحكم بينهم بما أنزل الله فإن أنزل يتضمن معنى القول فكان لحرف التفسير موقع. وقوله: ولا تتبع أهواءهم هو كقوله قبله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق [المائدة: 44] . وقوله: واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك المقصود منه افتضاح مكرهم وتأييسهم مما أملوه، لأن حذر النبيء صلى الله عليه وسلم من ذلك لا يحتاج فيه إلى الأمر لعصمته من أن يخالف حكم الله. ويجوز أن يكون المقصود منه دحض ما يتراءى من المصلحة في الحكم بين المتحاكمين إليه من اليهود بعوائدهم إن صح ما روي من أن بعض أحبارهم وعدوا النبيء بأنه إن حكم لهم بذلك آمنوا به واتبعتهم اليهود اقتداء بهم، فأراه الله أن مصلحة حرمة أحكام الدين ولو بين غير أتباعه مقدمة على مصلحة إيمان فريق من اليهود، لأجل ذلك فإن شأن الإيمان أن لا يقاول الناس على اتباعه كما قدمناه آنفا. والمقصود مع ذلك تحذير المسلمين من توهم ذلك. ولذلك فرع عليه قوله: فإن تولوا، أي فإن حكمت بينهم بما أنزل الله ولم تتبع أهواءهم وتولوا فاعلم، أي فتلك أمارة أن الله أراد بهم الشقاء والعذاب ببعض ذنوبهم وليس عليك في توليهم حرج. وأراد ببعض الذنوب
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٢٦) ↗