سورة المعارج · الآية ٤٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا إقسام منه تعالى بالمشارق والمغارب، للشمس والقمر والكواكب، لما فيها من الآيات الباهرات على البعث، وقدرته على تبديل أمثالهم، وهم بأعيانهم، كما قال تعالى: وننشئكم في ما لا تعلمون [الواقعة: 61]. { وما نحن بمسبوقين } أي: ما أحد يسبقنا ويفوتنا ويعجزنا إذا أردنا أن نعيده. فإذا تقرر البعث والجزاء، واستمروا على تكذيبهم، وعدم انقيادهم لآيات الله { فذرهم يخوضوا ويلعبوا } أي: يخوضوا بالأقوال الباطلة، والعقائد الفاسدة، ويلعبوا بدينهم، ويأكلوا ويشربوا، ويتمتعوا { حتى يلقوا يومهم الذي يوعدون } فإن الله قد أعد لهم فيه من النكال والوبال ما هو عاقبة خوضهم ولعبهم. ثم ذكر حال الخلق حين يلاقون يومهم الذي يوعدون، فقال: { يوم يخرجون من الأجداث } أي: القبور، { سراعا } مجيبين لدعوة الداعي، مهطعين إليها { كأنهم إلى نصب يوفضون } أي: [كأنهم إلى علم] يؤمون ويسرعون أي: فلا يتمكنون من الاستعصاء للداعي، والالتواء لنداء المنادي، بل يأتون أذلاء مقهورين للقيام، بين يدي رب العالمين. { خشعة أبصرهم ترهقهم ذلة } وذلك أن الذلة والقلق قد ملك قلوبهم، واستولى على أفئدتهم، فخشعت منهم الأبصار، وسكنت منهم الحركات، وانقطعت الأصوات. فهذه الحال والمآل، هو يومهم { الذي كانوا يوعدون } ولا بد من الوفاء بوعد الله [تمت والحمد لله].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المعارج ٤٠–٤٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى منكرا على الكفار الذين كانوا في زمن (1) النبي صلى الله عليه وسلم وهم مشاهدون له، ولما أرسله الله به من الهدى وما أيده الله به من المعجزات الباهرات، ثم هم مع هذا كله فارون منه، متفرقون عنه، شاردون يمينا وشمالا فرقا فرقا، وشيعا شيعا، كما قال تعالى: {فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة} [المدثر: 49، 51] الآية وهذه مثلها؛ فإنه قال تعالى: {فمال الذين كفروا قبلك مهطعين} أي: فما لهؤلاء الكفار الذين عندك يا محمد {مهطعين} أي مسرعين نافرين منك، كما قال الحسن البصري: {مهطعين} أي: منطلقين، {عن اليمين وعن الشمال عزين} واحدها عزة، أي: متفرقين. وهو حال من مهطعين، أي: في حال تفرقهم واختلافهم، كما قال الإمام أحمد في أهل الأهواء: فهم مخالفون للكتاب، مختلفون في الكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب. وقال العوفي، عن ابن عباس: {فمال الذين كفروا قبلك مهطعين} قال: قبلك ينظرون، {عن اليمين وعن الشمال عزين} قال: العزين: العصب من الناس، عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار. حدثنا أبو عامر، حدثنا قرة، عن الحسن (2) في قوله: {عن اليمين وعن الشمال عزين} متفرقين، يأخذون يمينا وشمالا يقولون: ما قال هذا الرجل؟ وقال قتادة: {مهطعين} عامدين، {عن اليمين وعن الشمال عزين} أي: فرقا حول النبي صلى الله عليه وسلم لا يرغبون في كتاب الله، ولا في نبيه صلى الله عليه وسلم. وقال الثوري، وشعبة، وعيسى بن يونس وعبثر بن القاسم (3) ومحمد بن فضيل، ووكيع، ويحيى القطان، وأبو معاوية، كلهم عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم (4) وهم حلق، فقال: "ما لي أراكم عزين؟ " رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، من حديث الأعمش، به (5)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢٢٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يوم يخرجون من الأجداث وهي القبور: واحدها جدث {سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون} [المعارج: 43] .
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٢٨٤) ↗التحرير والتنوير
و (على أن نبدل خيرا منهم) متعلق بمسبوقين، أي ما نحن بعاجزين على ذلك التبديل بأمثالكم كما قال في سورة الواقعة [61] إنا لقادرون على أن نبدل أمثالكم. [42- 44] فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (42) يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون (44) تفريع على ما تضمنه قوله: فمال الذين كفروا قبلك مهطعين [المعارج: 36] من إرادتهم بفعلهم ذلك وقولهم: إننا ندخل الجنة، الاستهزاء بالقرآن والنبيء صلى الله عليه وسلم. وبعد إبطاله إجمالا وتفصيلا فرع عن ذلك أمر الله رسوله بتركهم للعلم بأنهم لم يجد فيهم الهدي والاستدلال وأنهم مصرون على العناد والمناواة. ومعنى الأمر بالترك في قوله: فذرهم أنه أمر بترك ما أهم النبيء صلى الله عليه وسلم من عنادهم وإصرارهم على الكفر مع وضوح الحجج على إثبات البعث ولما كان أكبر أسباب إعراضهم وإصرارهم على كفرهم هو خوضهم ولعبهم كني به عن الإعراض بقوله: يخوضوا ويلعبوا. فجملة يخوضوا وجملة ويلعبوا حالان من الضمير الظاهر في قوله: فذرهم. وتلك الحال قيد للأمر في قوله: فذرهم. والتقدير: فذر خوضهم ولعبهم ولا تحزن لعنادهم وإصرارهم. وتعدية فعل (ذر) إلى ضميرهم من قبيل توجه الفعل إلى الذات. والمراد توجهه إلى بعض أحوالها التي لها اختصاص بذلك الفعل، مثل قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة [المائدة: 3] أي حرم عليكم أكلها، وقوله: وأن تجمعوا بين الأختين [النساء: 23] أي أن تجمعوهما معا في عصمة نكاح والاعتماد في هذا على قرينة السياق كما في الآيتين المذكورتين وقوله تعالى: فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون في سورة الطور [45] ، أو على ذكر ما يدل على حالة خاصة مثل قوله: يخوضوا ويلعبوا في هذه الآية، فقد يكون المقدر مختلفا كما في قوله تعالى:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/١٨١) ↗