سورة المعارج · الآية ٤٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا إقسام منه تعالى بالمشارق والمغارب، للشمس والقمر والكواكب، لما فيها من الآيات الباهرات على البعث، وقدرته على تبديل أمثالهم، وهم بأعيانهم، كما قال تعالى: وننشئكم في ما لا تعلمون [الواقعة: 61]. { وما نحن بمسبوقين } أي: ما أحد يسبقنا ويفوتنا ويعجزنا إذا أردنا أن نعيده. فإذا تقرر البعث والجزاء، واستمروا على تكذيبهم، وعدم انقيادهم لآيات الله { فذرهم يخوضوا ويلعبوا } أي: يخوضوا بالأقوال الباطلة، والعقائد الفاسدة، ويلعبوا بدينهم، ويأكلوا ويشربوا، ويتمتعوا { حتى يلقوا يومهم الذي يوعدون } فإن الله قد أعد لهم فيه من النكال والوبال ما هو عاقبة خوضهم ولعبهم. ثم ذكر حال الخلق حين يلاقون يومهم الذي يوعدون، فقال: { يوم يخرجون من الأجداث } أي: القبور، { سراعا } مجيبين لدعوة الداعي، مهطعين إليها { كأنهم إلى نصب يوفضون } أي: [كأنهم إلى علم] يؤمون ويسرعون أي: فلا يتمكنون من الاستعصاء للداعي، والالتواء لنداء المنادي، بل يأتون أذلاء مقهورين للقيام، بين يدي رب العالمين. { خشعة أبصرهم ترهقهم ذلة } وذلك أن الذلة والقلق قد ملك قلوبهم، واستولى على أفئدتهم، فخشعت منهم الأبصار، وسكنت منهم الحركات، وانقطعت الأصوات. فهذه الحال والمآل، هو يومهم { الذي كانوا يوعدون } ولا بد من الوفاء بوعد الله [تمت والحمد لله].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المعارج ٤٠–٤٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى منكرا على الكفار الذين كانوا في زمن (1) النبي صلى الله عليه وسلم وهم مشاهدون له، ولما أرسله الله به من الهدى وما أيده الله به من المعجزات الباهرات، ثم هم مع هذا كله فارون منه، متفرقون عنه، شاردون يمينا وشمالا فرقا فرقا، وشيعا شيعا، كما قال تعالى: {فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة} [المدثر: 49، 51] الآية وهذه مثلها؛ فإنه قال تعالى: {فمال الذين كفروا قبلك مهطعين} أي: فما لهؤلاء الكفار الذين عندك يا محمد {مهطعين} أي مسرعين نافرين منك، كما قال الحسن البصري: {مهطعين} أي: منطلقين، {عن اليمين وعن الشمال عزين} واحدها عزة، أي: متفرقين. وهو حال من مهطعين، أي: في حال تفرقهم واختلافهم، كما قال الإمام أحمد في أهل الأهواء: فهم مخالفون للكتاب، مختلفون في الكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب. وقال العوفي، عن ابن عباس: {فمال الذين كفروا قبلك مهطعين} قال: قبلك ينظرون، {عن اليمين وعن الشمال عزين} قال: العزين: العصب من الناس، عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار. حدثنا أبو عامر، حدثنا قرة، عن الحسن (2) في قوله: {عن اليمين وعن الشمال عزين} متفرقين، يأخذون يمينا وشمالا يقولون: ما قال هذا الرجل؟ وقال قتادة: {مهطعين} عامدين، {عن اليمين وعن الشمال عزين} أي: فرقا حول النبي صلى الله عليه وسلم لا يرغبون في كتاب الله، ولا في نبيه صلى الله عليه وسلم. وقال الثوري، وشعبة، وعيسى بن يونس وعبثر بن القاسم (3) ومحمد بن فضيل، ووكيع، ويحيى القطان، وأبو معاوية، كلهم عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم (4) وهم حلق، فقال: "ما لي أراكم عزين؟ " رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، من حديث الأعمش، به (5)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢٢٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إنا لقادرون على أن نهلكهم، ونأتي بخير منهم من الخلق يطيعونني ولا يعصونني {وما نحن بمسبوقين} [الواقعة: 60] يقول تعالى ذكره: وما يفوتنا منهم أحد بأمر نريده منه، فيعجزنا هربا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٢٨٢) ↗التحرير والتنوير
الذنوب كحديث «ما يدريكم ما بلغت به صلاته» . وقد حصل بين أخرى هذه الصلات وبين أولاها محسن رد العجز على الصدر. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: والذين هم على صلاتهم يحافظون يفيد تقوية الخبر مع إفادة التجدد من الفعل المضارع. ولما أجريت عليهم هذه الصفات الجليلة أخبر عن جزائهم عليها بأنهم مكرمون في الجنة. وجيء باسم الإشارة للتنبيه على أنهم استحقوا ما بعد اسم الإشارة من أجل ما سبق قبل اسم الإشارة كما تقدم في قوله تعالى: أولئك على هدى من ربهم في سورة البقرة [5] . والإكرام: التعظيم وحسن اللقاء، أي هم مع جزائهم بنعيم الجنات يكرمون بحسن اللقاء والثناء، قال تعالى: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار [الرعد: 23، 24] وقال ورضوان من الله أكبر [التوبة: 72] . وهذا يقتضي أن يكون قوله: في جنات خبرا عن اسم الإشارة وقوله مكرمون خبرا ثانيا. [36- 41] 41] فمال الذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال عزين (37) أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) كلا إنا خلقناهم مما يعلمون (39) فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين (41) فمال الذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال عزين (37) أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) كلا فرع استفهام إنكاري وتعجيبي من تجمع المشركين إلى النبيء صلى الله عليه وسلم مستهزئين بما يسمعون من وعد المؤمنين بالجنة ووعيد المشركين بعذاب جهنم. فرع ذلك على ما أفاده في قوله: أولئك في جنات مكرمون [المعارج: 35] . والمعنى: أن الذين كفروا لا مطمع لهم في دخول الجنة فماذا يحاولون بتجمعهم حولك بملامح استهزائهم. وهذا وإن كان خطابا للنبيء صلى الله عليه وسلم فالمقصود به إبلاغه إليهم فيما يتلو عليهم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/١٧٥) ↗