سورة الأعراف · الآية ٧٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإلى ثمود أخاهم صالحا } إلى آخر قصتهم. أي: { و } أرسلنا { إلى ثمود } القبيلة المعروفة الذين كانوا يسكنون الحجر وما حوله من أرض الحجاز وجزيرة العرب، أرسل الله إليهم { أخاهم صالحا } نبيا يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، وينهاهم عن الشرك والتنديد، ف { قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } دعوته عليه الصلاة والسلام من جنس دعوة إخوانه من المرسلين، الأمر بعبادة الله، وبيان أنه ليس للعباد إله غير الله، { قد جآءتكم بينة من ربكم } أي: خارق من خوارق العادات، التي لا تكون إلا آية سماوية لا يقدر الناس عليها، ثم فسرها بقوله: { هذه ناقة الله لكم آية } أي: هذه ناقة شريفة فاضلة لإضافتها إلى الله تعالى إضافة تشريف، لكم فيها آية عظيمة. وقد ذكر وجه الآية في قوله: لها شرب ولكم شرب يوم معلوم [الشعراء: 155]. وكان عندهم بئر كبيرة، وهي المعروفة ببئر الناقة، يتناوبونها هم والناقة، للناقة يوم تشربها ويشربون اللبن من ضرعها، ولهم يوم يردونها، وتصدر الناقة عنهم. وقال لهم نبيهم صالح عليه السلام: { فذروها تأكل في أرض الله } فلا عليكم من مئونتها شيء، { ولا تمسوها بسوء } أي: بعقر أو غيره، { فيأخذكم عذاب أليم }. { واذكروا إذ جعلكم خلفآء } في الأرض تتمتعون بها وتدركون مطالبكم { من بعد عاد } الذين أهلكهم الله، وجعلكم خلفاء من بعدهم، { وبوأكم في الأرض } أي: مكن لكم فيها، وسهل لكم الأسباب الموصلة إلى ما تريدون وتبتغون { تتخذون من سهولها قصورا } أي: من الأراضي السهلة التي ليست بجبال، تتخذون فيها القصور العالية والأبنية الحصينة، { وتنحتون الجبال بيوتا } كما هو مشاهد إلى الآن من أعمالهم التي في الجبال، من المساكن والحجر ونحوها، وهي باقية ما بقيت الجبال، { فاذكروا آلآء الله } أي: نعمه، وما خولكم من الفضل والرزق والقوة، { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } أي: لا تخربوا الأرض بالفساد والمعاصي، فإن المعاصي تدع الديار …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال علماء التفسير والنسب: ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح، وهو أخو جديس بن عاثر، وكذلك قبيلة طسم، كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل، عليه السلام، وكانت ثمود بعد عاد، ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله، وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قراهم ومساكنهم، وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك، نزل بهم (1) الحجر عند بيوت ثمود، فاستسقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا منها القدور. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال: "إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم" (2) وقال [الإمام] (3) أحمد أيضا: حدثنا عفان، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم" (4) وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه (5) وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي، عن إسماعيل بن أوسط، عن محمد بن أبي كبشة الأنماري، عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك، تسارع الناس إلى أهل الحجر، يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى في الناس: "الصلاة جامعة". قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره (6) وهو يقول: "ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم". فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله. قال: "أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك: رجل من أنفسكم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٣٠٠) ↗التحرير والتنوير
أن يقال: فلما نسوا وعتوا عما نهوا عنه وذكروا به قلنا لهم إلخ، فعدل عن مقتضى الظاهر إلى هذا الأسلوب من الإطناب لتهويل أمر العذاب، وتكثير أشكاله، ومقام التهويل من مقتضيات الإطناب، وهذا كإعادة التشبيه في قول لبيد: فتنازعا سبطا يطير ظلاله ... كدخان مشعلة يشب ضرامها مشمولة غلثت بنابت عرفج ... كدخان نار ساطع أسنامها ولكن أسلوب الآية أبلغ وأوفر فائدة، وأبعد عن التكرير اللفظي، فما في بيت لبيد كلام بليغ، وما في الآية كلام معجز. و (العتو) تقدم عند قوله تعالى: فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم في هذه السورة [77] . وقوله: قلنا لهم كونوا قردة خاسئين تقدم القول في نظيره عند قوله تعالى: ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين في سورة البقرة [65] ، ولأجل التشابه بين الآيتين، وذكر العدو في السبت فيهما، وذكره هنا في الإخبار عن القرية، جزم المفسرون بأن الذين نسوا ما ذكروا به وعتوا عما نهوا عنه هم أهل هذه القرية، وبأن الأمة القائلة لم تعظون قوما هي أمة من هذه القرية فجزموا بأن القصة واحدة، وهذا وإن كان لا ينبو عنه المقام، كما أنه لا يمنع تشابه فريقين في العذاب، فقد بينت أن ذلك لا ينافي جعل القصة في معنى قصتين من جهة الاعتبار. [167] 167] وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) عطف على جملة: وسئلهم [الأعراف: 163] بتقدير اذكر، وضمير عليهم عائد إلى اليهود المتقدم ذكرهم بالضمير الراجع إليهم بدلالة المقام في قوله تعالى: وسئلهم [الأعراف: 163] كما تقدم بيان ذلك كله مسستوفى عند قوله: وسئلهم عن القرية [الأعراف: 163] فالمتحدث عنهم بهذه الآية لا علاقة لهم بأهل القرية الذين عدوا في السبت. وتأذن على اختلاف إطلاقاته، ومما فيه هنا مشتق من الإذن وهو
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/١٥٤) ↗