سورة الأعراف · الآية ٦٢
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } إلى آخر القصة لما ذكر تعالى من أدلة توحيده جملة صالحة، أيد ذلك بذكر ما جرى للأنبياء الداعين إلى توحيده مع أممهم المنكرين لذلك، وكيف أيد الله أهل التوحيد، وأهلك من عاندهم ولم ينقد لهم، وكيف اتفقت دعوة المرسلين على دين واحد ومعتقد واحد، فقال عن نوح - أول المرسلين -: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } يدعوهم إلى عبادة الله وحده، حين كانوا يعبدون الأوثان { فقال } لهم: { ياقوم اعبدوا الله } أي: وحده { ما لكم من إله غيره } لأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، وما سواه مخلوق مدبر، ليس له من الأمر شيء، ثم خوفهم إن لم يطيعوه عذاب الله، فقال: { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } وهذا من نصحه عليه الصلاة والسلام وشفقته عليهم، حيث خاف عليهم العذاب الأبدي، والشقاء السرمدي، كإخوانه من المرسلين الذين يشفقون على الخلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم، فلما قال لهم هذه المقالة، ردوا عليه أقبح رد. { قال الملأ من قومه } أي: الرؤساء الأغنياء المتبوعون الذين قد جرت العادة باستكبارهم على الحق، وعدم انقيادهم للرسل، { إنا لنراك في ضلال مبين } فلم يكفهم - قبحهم الله - أنهم لم ينقادوا له، بل استكبروا عن الانقياد له، وقدحوا فيه أعظم قدح، ونسبوه إلى الضلال، ولم يكتفوا بمجرد الضلال حتى جعلوه ضلالا مبينا، واضحا لكل أحد. وهذا من أعظم أنواع المكابرة، التي لا تروج على أضعف الناس عقلا، وإنما هذا الوصف منطبق على قوم نوح، الذين جاؤوا إلى أصنام قد صوروها ونحتوها بأيديهم، من الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تغني عنهم شيئا، فنزلوها منزلة فاطر السماوات، وصرفوا لها ما أمكنهم من أنواع القربات، فلولا أن لهم أذهانا تقوم بها حجة الله عليهم لحكم عليهم بأن المجانين أهدى منهم، بل هم أهدى منهم وأعقل، فرد نوح عليهم ردا لطيفا، وترقق لهم لعلهم ينقادون له فقال: { يقوم ليس بي ضللة } أي: لست ضالا في مسألة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… الله وأنتم مشركون به {قال الملأ من قومه} أي: الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم: {إنا لنراك في ضلال مبين} أي: في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا. وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة، كما قال تعالى: {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} [المطففين:32] ، {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} [الأحقاف:11] إلى غير ذلك من الآيات. {قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين} أي: ما أنا ضال، ولكن أنا رسول (2) من رب كل شيء ومليكه، {أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون} وهذا شأن الرسول، أن يكون بليغا فصيحا ناصحا بالله، لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات، كما جاء في صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة، وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعا: "أيها الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها عليهم ويقول: "اللهم اشهد، اللهم اشهد (3) (4) يقول تعالى إخبارا عن نوح [عليه السلام] (5) أنه قال لقومه: {أوعجبتم [أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون] } (6) أي لا تعجبوا من هذا، فإن هذا ليس يعجب أن يوحي الله إلى رجل منكم، رحمة بكم ولطفا وإحسانا إليكم، لإنذركم ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به، {ولعلكم ترحمون} قال الله تعالى: {فكذبوه} أي: فتمادوا (7) على تكذيبه ومخالفته، وما آمن معه منهم إلا قليل، كما نص عليه في موضع آخر، {فأنجيناه والذين معه في الفلك} وهي السفينة، كما قال: {فأنجيناه وأصحاب السفينة} [العنكبوت:15] {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} كما قال: {مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا} [نوح:25] وقوله: {إنهم كانوا قوما عمين} أي: عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تحذيري إياكم عقاب الله على كفركم به وتكذيبكم إياي وردكم نصيحتي. {وأعلم من الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 62] : من أن عقابه لا يرد عن القوم المجرمين
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٢٦٢) ↗التحرير والتنوير
… على أن مضمون الكلام الذي بعدها أهم بالاعتناء للإلقاء عند المتكلم لأنه أجدى في الغرض المسوق له الكلام، وهذا الكلام الواقع هنا بعد (حتى) فيه تهويل ما يصيبهم عند قبض أرواحهم، وهو أدخل في تهديدهم وترويعهم وموعظتهم، من الوعيد المتعارف، وقد هدد القرآن المشركين بشدائد الموت عليهم في آيات كثيرة لأنهم كانوا يرهبونه. والرسل هم الملائكة قال تعالى: قل يتوفاكم ملك الموت [السجدة: 11]- وقال- ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة [الأنفال: 50] . وجملة: يتوفونهم في موضع الحال من رسلنا وهي حال معللة لعاملها، كقوله: ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم [الأعراف: 61، 62] أي رسول لأبلغكم ولأنصح لكم. والتوفي نزع الروح من الجسد، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى: إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك في سورة آل عمران [55] وهو المراد هنا، ولا جدوى في حمله على غير هذا المعنى، مما تردد فيه المفسرون، إلا أن المحافظة على معنى الغاية لحرف (حتى) فتوفي الرسل يجوز أن يكون المراد منه وقت أن يتوفوهم جميعا، إن كان المراد بالنصيب من الكتاب الاستئصال، أي حين تبعث طوائف الملائكة لإهلاك جميع أمة الشرك. ويجوز أن يكون المراد حتى يتوفون آحادهم في أوقات متفرقة إن كان المراد بالنصيب من الكتاب وعيد العذاب، وعلى الوجهين فالقول محكي على وجه الجمع والمراد منه التوزيع أي قال كل ملك لمن وكل بتوفيه، على طريقة: ركب القوم دوابهم. وقد حكي كلام الرسل معهم وجوابهم إياهم بصيغة الماضي على طريقة المحاورة، لأن وجود ظرف المستقبل قرينة على المراد. والاستفهام في قوله: أين ما كنتم تدعون من دون الله مستعمل في التهكم والتأييس. و (ما) الواقعة بعد أين موصولة، يعني: أين آلهتكم التي كنتم تزعمون أنهم ينفعونكم عند الشدائد ويردون عنكم العذاب فإنهم لم يحضروكم، وذلك حين يشهدون العذاب عند قبض أرواحهم، فقد جاء في حديث «الموطأ» : أن الميت …
أكمل القراءة في الكتاب ↗