سورة الأعراف · الآية ٦٠
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } إلى آخر القصة لما ذكر تعالى من أدلة توحيده جملة صالحة، أيد ذلك بذكر ما جرى للأنبياء الداعين إلى توحيده مع أممهم المنكرين لذلك، وكيف أيد الله أهل التوحيد، وأهلك من عاندهم ولم ينقد لهم، وكيف اتفقت دعوة المرسلين على دين واحد ومعتقد واحد، فقال عن نوح - أول المرسلين -: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } يدعوهم إلى عبادة الله وحده، حين كانوا يعبدون الأوثان { فقال } لهم: { ياقوم اعبدوا الله } أي: وحده { ما لكم من إله غيره } لأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، وما سواه مخلوق مدبر، ليس له من الأمر شيء، ثم خوفهم إن لم يطيعوه عذاب الله، فقال: { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } وهذا من نصحه عليه الصلاة والسلام وشفقته عليهم، حيث خاف عليهم العذاب الأبدي، والشقاء السرمدي، كإخوانه من المرسلين الذين يشفقون على الخلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم، فلما قال لهم هذه المقالة، ردوا عليه أقبح رد. { قال الملأ من قومه } أي: الرؤساء الأغنياء المتبوعون الذين قد جرت العادة باستكبارهم على الحق، وعدم انقيادهم للرسل، { إنا لنراك في ضلال مبين } فلم يكفهم - قبحهم الله - أنهم لم ينقادوا له، بل استكبروا عن الانقياد له، وقدحوا فيه أعظم قدح، ونسبوه إلى الضلال، ولم يكتفوا بمجرد الضلال حتى جعلوه ضلالا مبينا، واضحا لكل أحد. وهذا من أعظم أنواع المكابرة، التي لا تروج على أضعف الناس عقلا، وإنما هذا الوصف منطبق على قوم نوح، الذين جاؤوا إلى أصنام قد صوروها ونحتوها بأيديهم، من الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تغني عنهم شيئا، فنزلوها منزلة فاطر السماوات، وصرفوا لها ما أمكنهم من أنواع القربات، فلولا أن لهم أذهانا تقوم بها حجة الله عليهم لحكم عليهم بأن المجانين أهدى منهم، بل هم أهدى منهم وأعقل، فرد نوح عليهم ردا لطيفا، وترقق لهم لعلهم ينقادون له فقال: { يقوم ليس بي ضللة } أي: لست ضالا في مسألة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
له، فقال: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} أي: من عذاب يوم القيامة إن (1) لقيتم الله وأنتم مشركون به {قال الملأ من قومه} أي: الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم: {إنا لنراك في ضلال مبين} أي: في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا. وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة، كما قال تعالى: {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} [المطففين:32] ، {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} [الأحقاف:11] إلى غير ذلك من الآيات. {قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين} أي: ما أنا ضال، ولكن أنا رسول (2) من رب كل شيء ومليكه، {أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون} وهذا شأن الرسول، أن يكون بليغا فصيحا ناصحا بالله، لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات، كما جاء في صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة، وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعا: "أيها الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها عليهم ويقول: "اللهم اشهد، اللهم اشهد (3) (4) يقول تعالى إخبارا عن نوح [عليه السلام] (5) أنه قال لقومه: {أوعجبتم [أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون] } (6) أي لا تعجبوا من هذا، فإن هذا ليس يعجب أن يوحي الله إلى رجل منكم، رحمة بكم ولطفا وإحسانا إليكم، لإنذركم ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به، {ولعلكم ترحمون} قال الله تعالى: {فكذبوه} أي: فتمادوا (7) على تكذيبه ومخالفته، وما آمن معه منهم إلا قليل، كما نص عليه في موضع آخر، {فأنجيناه والذين معه في الفلك} وهي السفينة، كما قال: {فأنجيناه وأصحاب السفينة} [العنكبوت:15] {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} كما قال: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ضلال مبين} [الأنعام: 74] ، يعنون: في أمر زائل عن الحق، مبين زواله عن قصد الحد لمن تأمله
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٢٦١) ↗التحرير والتنوير
… الخائف، كما قال الأحوص: فإذا تزول تزول على متخمط ... تخشى بوادره على الأقران ويجوز أن تكون مستأنفة ثانية بعد جملة اعبدوا الله لقصد الإرهاب والإنذار، ونكتة بناء نظم الكلام على خوف المتكلم عليهم هي هي. والعذاب المخوف ويومه يحتمل أنهما في الآخرة أو في الدنيا، والأظهر الأول لأن جوابهم بأنه في ضلال مبين يشعر بأنهم أحالوا الوحدانية وأحالوا البعث كما يدل عليه قوله في سورة نوح [17، 18] : والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا فحالهم كحال مشركي العرب لأن عبادة الأصنام تمحض أهلها للاقتصار على أغراض الدنيا. [60] 60] قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين (60) فصلت جملة قال على طريقة الفصل في المحاورات، واقترن جوابهم بحرف التأكيد للدلالة على أنهم حققوا وأكدوا اعتقادهم أن نوحا منغمس في الضلالة. الملأ مهموز بغير مد: الجماعة الذين أمرهم واحد ورأيهم واحد لأنهم يمالىء بعضهم بعضا، أي يعاونه ويوافقه، ويطلق الملأ على أشراف القوم وقادتهم لأن شأنهم أن يكون رأيهم واحدا عن تشاور، وهذا المعنى هو المناسب في هذه الآية بقرينة (من) الدالة على التبعيض أي أن قادة القوم هم الذين تصدوا لمجادلة نوح والمناضلة عن دينهم بمسمع من القوم الذين خاطب جميعهم، والرؤية قلبية بمعنى العلم، أي إنا لنوقن أنك في ضلال مبين ولم يوصف الملأ هنا بالذين كفروا، أو بالذين استكبروا كما وصف الملأ في قصة هود بالذين كفروا استغناء بدلالة المقام على أنهم كذبوا وكفروا. وظرفية في ضلال مجازية تعبيرا عن تمكن وصف الضلال منه حتى كأنه محيط به من جوانبه إحاطة الظرف بالمظروف. «والضلال» اسم مصدر ضل إذا أخطأ الطريق الموصل، «والمبين» اسم فاعل من أبان المرادف بان، وذلك هو الضلال البالغ الغاية في البعد عن طريق الحق، وهذه شبهة منهم فإنهم توهموا أن الحق هو ما هم عليه، فلا عجب إذا جعلوا ما بعد عنه بعدا عظيما ضلالا بينا لأنه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗