سورة الأعراف · الآية ٥٣
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: ينادي أصحاب النار أصحاب الجنة، حين يبلغ منهم العذاب كل مبلغ، وحين يمسهم الجوع المفرط والظمأ الموجع، يستغيثون بهم، فيقولون: { أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله } من الطعام، فأجابهم أهل الجنة بقولهم: { إن الله حرمهما } أي: ماء الجنة وطعامها { على الكافرين } وذلك جزاء لهم على كفرهم بآيات الله، واتخاذهم دينهم الذي أمروا أن يستقيموا عليه، ووعدوا بالجزاء الجزيل عليه. { لهوا ولعبا } أي: لهت قلوبهم وأعرضت عنه، ولعبوا واتخذوه سخريا، أو أنهم جعلوا بدل دينهم اللهو واللعب، واستعاضوا بذلك عن الدين القيم. { وغرتهم الحيوة الدنيا } بزينتها وزخرفها وكثرة دعاتها، فاطمأنوا إليها ورضوا بها وفرحوا، وأعرضوا عن الآخرة ونسوها. { فاليوم ننسهم } أي: نتركهم في العذاب { كما نسوا لقآء يومهم هذا } فكأنهم لم يخلقوا إلا للدنيا، وليس أمامهم عرض ولا جزاء. { وما كانوا بآيتنا يجحدون } والحال أن جحودهم هذا لا عن قصور في آيات الله وبيناته، بل قد { جئناهم بكتاب فصلناه } أي: بينا فيه جميع المطالب التي يحتاج إليها الخلق { على علم } من الله بأحوال العباد في كل زمان ومكان، وما يصلح لهم وما لا يصلح، ليس تفصيله تفصيل غير عالم بالأمور، فتجهله بعض الأحوال، فيحكم حكما غير مناسب، بل تفصيل من أحاط علمه بكل شيء، ووسعت رحمته كل شيء. { هدى ورحمة لقوم يؤمنون } أي: تحصل للمؤمنين بهذا الكتاب الهداية من الضلال، وبيان الحق والباطل، والغي والرشد، ويحصل أيضا لهم به الرحمة، وهي: الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، فينتفى عنهم بذلك الضلال والشقاء. وهؤلاء الذين حق عليهم العذاب، لم يؤمنوا بهذا الكتاب العظيم، ولا انقادوا لأوامره ونواهيه، فلم يبق فيهم حيلة إلا استحقاقهم أن يحل بهم ما أخبر به القرآن. ولهذا قال: { هل ينظرون إلا تأويله } أي: وقوع ما أخبر به، كما قال يوسف عليه السلام حين وقعت رؤياه: هذا تأويل رؤياي من قبل [يوسف: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
خلاصنا مما نحن فيه، {أو نرد} إلى الدار الدنيا {فنعمل غير الذي كنا نعمل} كما قال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام:27، 28] كما قال هاهنا: {قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: [قد] (1) خسروا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيه، {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: ذهب عنهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله فلا ينصرونهم، ولا يشفعون لهم (2) ولا ينقذونهم مما هم فيه. يخبر تعالى بأنه خلق هذا العالم: سماواته وأرضه، وما بين ذلك في ستة أيام، كما أخبر بذلك في غير ما آية من القرآن، والستة الأيام هي: الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة -وفيه اجتمع الخلق كله، وفيه خلق آدم، عليه السلام. واختلفوا في هذه الأيام: هل كل يوم منها كهذه الأيام كما هو المتبادر إلى الأذهان (3) ؟ أو كل يوم كألف سنة، كما نص على ذلك مجاهد، والإمام أحمد بن حنبل، ويروى ذلك من رواية الضحاك عن ابن عباس؟ فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق؛ لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت، وهو القطع. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا حجاج، حدثنا ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع -مولى أم سلمة -عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل". فقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه والنسائي من غير وجه، عن حجاج -وهو ابن محمد الأعور -عن ابن جريج به (4) وفيه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[الأعراف: 53] : هل ينتظر هؤلاء المشركون الذين يكذبون بآيات الله ويجحدون لقاءه، إلا تأويله؟ يقول: إلا ما يئول إليه أمرهم من ورودهم على PageEndV10P241 عذاب الله، وصليهم جحيمه، وأشباه هذا مما أوعدهم الله به. وقد بينا معنى التأويل فيما مضى بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٢٤٠) ↗التحرير والتنوير
… للتعظيم، أي عالمين أعظم العلم، والعظمة هنا راجعة إلى كمال الجنس في حقيقته، وأعظم العلم هو العلم الذي لا يحتمل الخطأ ولا الخفاء أي عالمين علما ذاتيا لا يتخلف عنا ولا يختلف في ذاته، أي لا يحتمل الخطأ ولا التردد. وهدى ورحمة حال من بكتاب. أو من ضميره في قوله: فصلناه. ووصف الكتاب بالمصدرين هدى ورحمة إشارة إلى قوة هديه الناس وجلب الرحمة لهم. وجملة هدى ورحمة لقوم يؤمنون إشارة إلى أن المؤمنين هم الذين توصلوا للاهتداء به والرحمة. وأن من لم يؤمنوا قد حرموا الاهتداء والرحمة. وهذا كقوله تعالى في سورة البقرة [2] : هدى للمتقين. [53] 53] هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) جملة هل ينظرون إلا تأويله مستأنفة استينافا بيانيا، لأن قوله: ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون يثير سؤال من يسأل: فماذا يؤخرهم عن التصديق بهذا الكتاب الموصوف بتلك الصفات؟ وهل أعظم منه آية على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فكان قوله: هل ينظرون كالجواب عن هذا السؤال، الذي يجيش في نفس السامع. والاستفهام إنكاري ولذلك جاء بعده الاستثناء. ومعنى ينظرون ينتظرون من النظرة بمعنى الانتظار، والاستثناء من عموم الأشياء المنتظرات، والمراد المنتظرات من هذا النوع وهو الآيات، أي ما ينتظرون آية أعظم إلا تأويل الكتاب، أي إلا ظهور ما توعدهم به، وإطلاق الانتظار هنا استعارة تهكمية: شبه حال تمهلهم إلى الوقت الذي سيحل عليهم فيه ما أوعدهم به القرآن بحال المنتظرين، وهم ليسوا بمنتظرين ذلك إذ هم جاحدون وقوعه، وهذا مثل قوله تعالى: فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة [محمد: 18]- وقوله- فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم [يونس: 102] والاستثناء على حقيقته وليس من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗