سورة الأعراف · الآية ٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم مبينا له عظمة القرآن: { كتاب أنزل إليك } أي: كتاب جليل حوى كل ما يحتاج إليه العباد، وجميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، محكما مفصلا { فلا يكن في صدرك حرج منه } أي: ضيق وشك واشتباه، بل لتعلم أنه تنزيل من حكيم حميد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [فصلت: 42] وأنه أصدق الكلام فلينشرح له صدرك، ولتطمئن به نفسك، ولتصدع بأوامره ونواهيه، ولا تخش لائما ومعارضا. { لتنذر به } الخلق، فتعظهم وتذكرهم، فتقوم الحجة على المعاندين. { و } ليكون { ذكرى للمؤمنين } كما قال تعالى: وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين [الذاريات: 55] يتذكرون به الصراط المستقيم، وأعماله الظاهرة والباطنة، وما يحول بين العبد وبين سلوكه. ثم خاطب الله العباد، وألفتهم إلى الكتاب فقال: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } أي: الكتاب الذي أريد إنزاله لأجلكم، وهو: { من ربكم } الذي يريد أن يتم تربيته لكم، فأنزل عليكم هذا الكتاب الذي، إن اتبعتموه كملت تربيتكم، وتمت عليكم النعمة، وهديتم لأحسن الأعمال والأخلاق ومعاليها { ولا تتبعوا من دونه أوليآء } أي: تتولونهم وتتبعون أهواءهم، وتتركون لأجلها الحق. { قليلا ما تذكرون } فلو تذكرتم وعرفتم المصلحة، لما آثرتم الضار على النافع، والعدو على الولي. ثم حذرهم عقوباته للأمم الذين كذبوا ما جاءتهم به رسلهم، لئلا يشابهوهم فقال: { وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا } أي: عذابنا الشديد { بياتا أو هم قآئلون } أي: في حين غفلتهم، وعلى غرتهم غافلون، لم يخطر الهلاك على قلوبهم. فحين جاءهم العذاب لم يدفعوه عن أنفسهم، ولا أغنت عنهم آلهتهم التي كانوا يرجونهم، ولا أنكروا ما كانوا يفعلونه من الظلم والمعاصي. { فما كان دعواهم إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } كما قال تعالى: وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين * فلمآ …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
بسم الله الرحمن الرحيم قد تقدم الكلام في أول "سورة البقرة" على ما يتعلق بالحروف وبسطه، واختلاف الناس فيه. وقال ابن جرير: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبي، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: {المص} أنا الله أفصل وكذا قال سعيد بن جبير. [قوله] (1) {كتاب أنزل إليك} أي: هذا كتاب أنزل إليك، أي: من ربك، {فلا يكن في صدرك حرج منه} قال مجاهد، [وعطاء] (2) وقتادة والسدي: شك منه. وقيل: لا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به [واصبر] (3) كما صبر أولو العزم من الرسل؛ ولهذا قال: {لتنذر به} أي: أنزل إليك لتنذر به الكافرين، {وذكرى للمؤمنين} . ثم قال تعالى مخاطبا للعالم: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} أي: اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كل شيء ومليكه، {ولا تتبعوا من دونه أولياء} أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره. {قليلا ما تذكرون} كقوله: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] . وقوله: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} [الأنعام: 116] وقوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] . يقول تعالى: {وكم من قرية أهلكناها} أي: بمخالفة رسلنا وتكذيبهم، فأعقبهم ذلك خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة، كما قال تعالى: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} [الأنعام: 10] . وقال تعالى: {فكأين (4) من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٣٨٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بالبينات والهدى، واعملوا بما أمركم به ربكم، {ولا تتبعوا} [البقرة: 168] شيئا {من دونه} [النساء: 117] يعني: شيئا غير ما أنزل إليكم ربكم، يقول: لا تتبعوا أمر أوليائكم الذين يأمرونكم بالشرك بالله وعبادة الأوثان، فإنهم يضلونكم ولا يهدونكم. فإن قال قائل: وكيف قلت: معنى الكلام: قل اتبعوا، وليس في الكلام موجودا ذكر القول؟ قيل: إنه وإن لم يكن مذكورا صريحا، فإن في الكلام دلالة عليه، وذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٥٦) ↗التحرير والتنوير
… الأهم لإبطال ما عليه المشركون من الباطل وما يخلفونه في الناس من العوائد الباطلة التي تعانى إزالتها من الناس بعد إسلامهم. ذكرى يجوز أن يكون معطوفا على لتنذر به، باعتبار انسباكه بمصدر فيكون في محل جر، ويجوز أن يكون العطف عطف جملة، ويكون ذكرى مصدرا بدلا من فعله، والتقدير: وذكر ذكرى للمؤمنين، فيكون في محل نصب فيكون اعتراضا. وحذف متعلق لتنذر، وصرح بمتعلق ذكرى لظهور تقدير المحذوف من ذكر مقابله المذكور، والتقدير: لتنذر به الكافرين، وصرح بمتعلق الذكرى دون متعلق لتنذر تنويها بشأن المؤمنين وتعريضا بتحقير الكافرين تجاه ذكر المؤمنين. [3] اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون (3) بيان لجملة: لتنذر به [الأعراف: 2] بقرينة تذييلها بقوله: قليلا ما تذكرون. فالخطاب موجه للمشركين ويندرج فيه المسلمون بالأولى، فبعد أن نوه الله بالكتاب المنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين أن حكمة إنزاله للإنذار والذكرى، أمر الناس أن يتبعوا ما أنزل إليهم، كل يتبع ما هو به أعلق، والمشركون أنزل إليهم الزجر عن الشرك والاحتجاج على ضلالهم، والمسلمون أنزل إليهم الأمر والنهي والتكليف، فكل مأمور باتباع ما أنزل إليه، والمقصود الأجدر هم المشركون تعريضا بأنهم كفروا بنعمة ربهم، فوصف (الرب) هنا دون اسم الجلالة: للتذكير بوجوب اتباع أمره، لأن وصف الربوبية يقتضي الامتثال لأوامره، ونهاهم عن اتباع أوليائهم الذين جعلوهم آلهة دونه، والموجه إليهم النهي هم المشركون بقرينة قوله: قليلا ما تذكرون. والاتباع حقيقته المشي وراء ماش، فمعناه يقتضي ذاتين: تابعا ومتوبعا، يقال: اتبع وتبع، ويستعار للعمل بأمر الآمر نحو: ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري [طه: 92، 93] وهو استعارة تمثيلية مبنية على تشبيه حالتين، ويستعار للاقتداء بسيرة أو قول نحو: ولا تتبعوا خطوات الشيطان [البقرة: 168] وهو استعارة مصرحة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗