سورة الأعراف · الآية ١٩٢
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { هو الذي خلقكم } أيها الرجال والنساء، المنتشرون في الأرض على كثرتكم وتفرقكم. { من نفس واحدة } وهو آدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم. { وجعل منها زوجها } أي: خلق من آدم زوجته حواء لأجل أن يسكن إليها لأنها إذا كانت منه حصل بينهما من المناسبة والموافقة ما يقتضي سكون أحدهما إلى الآخر، فانقاد كل منهما إلى صاحبه بزمام الشهوة. { فلما تغشاها } أي: تجللها مجامعا لها قدر الباري أن يوجد من تلك الشهوة وذلك الجماع النسل، [وحينئذ] حملت حملا خفيفا، وذلك في ابتداء الحمل، لا تحس به الأنثى، ولا يثقلها. { فلمآ } استمرت به و { أثقلت } به حين كبر في بطنها، فحينئذ صار في قلوبهما الشفقة على الولد، وعلى خروجه حيا صحيحا، سالما لا آفة فيه [كذلك]، فدعوا { الله ربهما لئن آتيتنا } ولدا { صالحا } أي: صالح الخلقة تامها، لا نقص فيه { لنكونن من الشاكرين }. { فلمآ آتاهما صالحا } على وفق ما طلبا، وتمت عليهما النعمة فيه { جعلا له شركآء فيمآ آتاهما } أي: جعلا لله شركاء في ذلك الولد الذي انفرد الله بإيجاده والنعمة به، وأقر به أعين والديه، فعبداه لغير الله. إما أن يسمياه بعبد غير الله ك " عبد الحارث " و " عبد العزيز " و " عبد الكعبة " ونحو ذلك، أو يشركا بالله في العبادة، بعدما من الله عليهما بما من من النعم التي لا يحصيها أحد من العباد. وهذا انتقال من النوع إلى الجنس، فإن أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل إلى الكلام في الجنس، ولا شك أن هذا موجود في الذرية كثيرا، فلذلك قررهم الله على بطلان الشرك، وأنهم في ذلك ظالمون أشد الظلم، سواء كان الشرك في الأقوال، أم في الأفعال، فإن الخالق لهم من نفس واحدة، الذي خلق منها زوجها وجعل لهم من أنفسهم أزواجا، ثم جعل بينهم من المودة والرحمة ما يسكن بعضهم إلى بعض، ويألفه ويلتذ به، ثم هداهم إلى ما به تحصل الشهوة واللذة والأولاد والنسل. ثم أوجد الذرية في بطون الأمهات، وقتا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئا من الأمر، ولا تضر ولا تنفع، [ولا تنصر] (1) ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم؛ ولهذا قال: {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون} أي: أتشركون (2) به من المعبودات ما لا يخلق شيئا ولا يستطيع ذلك، كما قال تعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب * ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز} [الحج:73، 74] أخبر تعالى أنه لو اجتمعت آلهتهم كلها، ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو أستلبتهم (3) الذبابة شيئا من حقير المطاعم (4) وطارت، لما استطاعوا إنقاذ ذلك منها، فمن هذه صفته وحاله، كيف يعبد ليرزق ويستنصر؟ ولهذا قال تعالى: {لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} أي: بل هم مخلوقون مصنوعون كما قال الخليل: {قال أتعبدون ما تنحتون * [والله خلقكم وما تعملون] (5) } [الصافات:95، 96] ثم قال تعالى: {ولا يستطيعون لهم نصرا} أي: لعابديهم {ولا أنفسهم ينصرون} يعني: ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما كان الخليل، عليه الصلاة والسلام، يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة، كما أخبر تعالى عنه في قوله: {فراغ عليهم ضربا باليمين} [الصافات:93] وقال تعالى: {فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون} [الأنبياء:58] وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل، رضي الله عنهما -وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة -فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل، ليعتبر قومهما بذلك، ويرتئوا لأنفسهم، فكان لعمرو بن الجموح -وكان سيدا في قومه -كان له صنم يعبده …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عنها. وإنما العابد يعبد ما يعبده لاجتلاب نفع منه أو لدفع ضر منه عن نفسه. وآلهتهم التي يعبدونها ويشركونها في عبادة الله لا تنفعهم ولا تضرهم، بل لا تجتلب PageEndV10P634 إلى نفسها نفعا ولا تدفع عنها ضرا، فهي من نفع غير أنفسها أو دفع الضر عنها أبعد. يعجب تبارك وتعالى خلقه من عظيم خطإ هؤلاء الذين يشركون في عبادتهم الله غيره
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٦٣٣) ↗التحرير والتنوير
حديث حسن غريب، ووسمه ابن العربي في «أحكام القرآن» ، بالضعف، وتبعه تلميذه القرطبي وبين ابن كثير ما في سنده من العلل، على أن المفسرين ألصقوه بالآية وجعلوه تفسيرا لها، وليس فيه على ضعفه أنه فسر به الآية ولكن الترمذي جعله في باب تفسير سورة الأعراف من «سننه» . وقال بعض المفسرين: الخطاب في خلقكم من نفس واحدة لقريش خاصة، والنفس الواحدة هو قصي بن كلاب تزوج امرأة من خزاعة فلما آتاهما الله أولادا أربعة ذكورا سمى ثلاثة منهم عبد مناف، وعبد العزى، وعبد الدار، وسمى الرابع «عبدا» بدون إضافة وهو الذي يدعى بعبد قصي. وقرأ نافع، وعاصم في رواية أبي بكر عنه، وأبو جعفر: شركا- بكسر الشين وسكون الراء- أي اشتراكا مع الله، والمفعول الثاني لفعل جعلا محذوف للعلم به، أي جعلا له الأصنام شركا، وقرأ بقية العشرة شركاء- بضم الشين جمع شريك، والقراءتان متحدتان معنى. وفي جملة: فتعالى الله عما يشركون محسن من البديع وهو مجيء الكلام متزنا على ميزان الشعر، من غير أن يكون قصيدة، فإن هذه الجملة تدخل في ميزان الرمل. وفيها الالتفات من الخطاب الذي سبق في قوله: هو الذي خلقكم من نفس واحدة وليس عائد إلى ما قبله، لأن ما قبله كان بصيغة المثنى خمس مرات من قوله: دعوا الله ربهما- إلى قوله- فيما آتاهما. [191، 192] أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192) هذه الآيات الثلاث كلام «معترض بين الكلامين المسوقين لتوبيخ المشركين وإقامة الحجة عليهم، مخاطب بها النبيء عليه الصلاة والسلام والمسلمون، للتعجيب من عقول المشركين، وفيه تعريض بالرد عليهم لأنه يبلغ مسامعهم. والاستفهام مستعمل في التعجيب والإنكار. وصيغة المضارع في يشركون دالة على تجدد هذا الإشراك منهم. ونفي المضارع في قوله: ما لا يخلق للدلالة على تجدد نفي الخالقية عنهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٢١٥) ↗