سورة الأعراف · الآية ١٨٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: والذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى فردوها ولم يقبلوها. { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } بأن يدر لهم الأرزاق. { وأملي لهم } أي: أمهلهم حتى يظنوا أنهم لا يؤخذون ولا يعاقبون، فيزدادون كفرا وطغيانا، وشرا إلى شرهم، وبذلك تزيد عقوبتهم، ويتضاعف عذابهم، فيضرون أنفسهم من حيث لا يشعرون، ولهذا قال: { إن كيدي متين } أي: قوي بليغ. { أولم يتفكروا ما بصاحبهم } محمد صلى الله عليه وسلم { من جنة } أي: أو لم يعملوا أفكارهم، وينظروا هل في صاحبهم الذي يعرفونه ولا يخفى عليهم من حاله شيء، هل هو مجنون؟ فلينظروا في أخلاقه وهديه، ودله وصفاته، وينظروا في ما دعا إليه، فلا يجدون فيه من الصفات إلا أكملها، ولا من الأخلاق إلا أتمها، ولا من العقل والرأي إلا ما فاق به العالمين، ولا يدعو إلا لكل خير، ولا ينهى إلا عن كل شر. أفبهذا يا أولي الألباب من جنة؟ أم هو الإمام العظيم والناصح المبين، والماجد الكريم، والرءوف الرحيم؟ ولهذا قال: { إن هو إلا نذير مبين } أي: يدعو الخلق إلى ما ينجيهم من العذاب، ويحصل لهم الثواب. { أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض } فإنهم إذا نظروا إليها وجدوها أدلة دالة على توحيد ربها، وعلى ما له من صفات الكمال. { و } كذلك لينظروا إلى جميع { ما خلق الله من شيء } فإن جميع أجزاء العالم، يدل أعظم دلالة على علم الله وقدرته وحكمته وسعة رحمته، وإحسانه، ونفوذ مشيئته، وغير ذلك من صفاته العظيمة، الدالة على تفرده بالخلق والتدبير، الموجبة لأن يكون هو المعبود المحمود، المسبح الموحد المحبوب. وقوله: { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } أي: لينظروا في خصوص حالهم، وينظروا لأنفسهم قبل أن يقترب أجلهم، ويفجأهم الموت وهم في غفلة معرضون، فلا يتمكنون حينئذ، من استدراك الفارط. { فبأي حديث بعده يؤمنون } أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل، فبأي حديث يؤمنون به؟!! …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… بين أيديكم مثلها: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} (1) [الأعراف: 159] وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس في قوله تعالى: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أمتي قوما على الحق، حتى ينزل عيسى ابن مريم متى ما نزل". (2) وفي الصحيحين، عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة -وفي رواية -: حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك -وفي رواية -: وهم بالشام" (3) يقول تعالى: {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} ومعناه: أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا، حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا (4) أنهم على شيء، كما قال تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} [الأنعام:44، 45] ؛ ولهذا قال تعالى: {وأملي لهم} أي: وسأملي لهم، أطول لهم ما هم فيه {إن كيدي متين} أي: قوي شديد.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٥١٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يبلغ الغاية التي كتب له من المهل، ثم يأخذه بأعماله السيئة، فيجازيه بها من العقوبة ما قد أعد له. وذلك استدراج الله إياه. وأصل الاستدراج اغترار المستدرج بلطف من حيث يرى المستدرج أن PageEndV10P601 المستدرج إليه محسن حتى يورطه مكروها. وقد بينا وجه فعل الله ذلك بأهل الكفر به فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٦٠٠) ↗التحرير والتنوير
وقد جوز المفسرون احتمالات أخرى في معنى الإلحاد في أسمائه: منها ثلاثة ذكرها الفخر، وأنا لا أراها ملاقية لإضافة الأسماء إلى ضميره تعالى، كما لا يخفى عن الناظر فيها. وجملة: سيجزون ما كانوا يعملون تتنزل منزلة التعليل للأمر بترك الملحدين، فلذلك فصلت، أي لا تهتموا بإلحادهم ولا تحزنوا له، لأن الله سيجزيهم بسوء صنيعهم، وسمي إلحادهم عملا لأنه من أعمال قلوبهم وألسنتهم. و (ما) موصولة عامة أي سيجزون بجميع ما يعملونه من الكفر، ومن جملة ذلك إلحادهم في أسمائه. والسين للاستقبال، وهي تفيد تأكيد. وقيل: ما كانوا يعملون دون ما عملوا أو ما يعملون للدلالة على أن ذلك العمل سنة لهم ومتجدد منهم. [181- 183] وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) وأملي لهم إن كيدي متين (183) عطف على جملة: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس [الأعراف: 179] الآية، والمقصود: التنويه بالمسلمين في هديهم واهتدائهم، وذلك مقابلة لحال المشركين في ضلالهم، أي عرض عن المشركين، فإن الله أغناك عنهم بالمسلمين، فما صدق «الأمة» هم المسلمون بقرينة السياق كما في قول لبيد: تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النفوس حمامها يريد نفسه فإنها بعض النفوس. روى الطبري عن قتادة قال بلغنا أن النبيء صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأ هذه الآية: «هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها» . وقوله: ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون وبقية ألفاظ الآية عرف تفسيرها من نظره المتقدمة في هذه السورة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/١٩٠) ↗