سورة الأعراف · الآية ١٥
﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى مخاطبا لبني آدم: { ولقد خلقناكم } بخلق أصلكم ومادتكم التي منها خرجتم: أبيكم آدم عليه السلام { ثم صورناكم } في أحسن صورة وأحسن تقويم، وعلمه الله تعالى ما به تكمل صورته الباطنة، أسماء كل شيء. ثم أمر الملائكة الكرام أن يسجدوا لآدم، إكراما واحتراما، وإظهارا لفضله، فامتثلوا أمر ربهم، { فسجدوا } كلهم أجمعون { إلا إبليس } أبى أن يسجد له، تكبرا عليه وإعجابا بنفسه. فوبخه الله على ذلك وقال: { ما منعك ألا تسجد } لما خلقت بيدي، أي: شرفته وفضلته بهذه الفضيلة، التي لم تكن لغيره، فعصيت أمري وتهاونت بي؟ { قال } إبليس معارضا لربه: { أنا خير منه } ثم برهن على هذه الدعوى الباطلة بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } وموجب هذا أن المخلوق من نار أفضل من المخلوق من طين لعلو النار على الطين وصعودها، وهذا القياس من أفسد الأقيسة، فإنه باطل من عدة أوجه: منها: أنه في مقابلة أمر الله له بالسجود، والقياس إذا عارض النص، فإنه قياس باطل، لأن المقصود بالقياس، أن يكون الحكم الذي لم يأت فيه نص، يقارب الأمور المنصوص عليها، ويكون تابعا لها. فأما قياس يعارضها، ويلزم من اعتباره إلغاء النصوص، فهذا القياس من أشنع الأقيسة. ومنها: أن قوله: { أنا خير منه } بمجردها كافية لنقص إبليس الخبيث. فإنه برهن على نقصه بإعجابه بنفسه وتكبره، والقول على الله بلا علم. وأي نقص أعظم من هذا؟!! ومنها: أنه كذب في تفضيل مادة النار على مادة الطين والتراب، فإن مادة الطين فيها الخشوع والسكون والرزانة، ومنها تظهر بركات الأرض من الأشجار وأنواع النبات، على اختلاف أجناسه وأنواعه، وأما النار ففيها الخفة والطيش والإحراق. ولهذا لما جرى من إبليس ما جرى، انحط من مرتبته العالية إلى أسفل السافلين، فقال الله له: { فاهبط منها } أي: من الجنة { فما يكون لك أن تتكبر فيها } لأنها دار الطيبين الطاهرين، فلا تليق بأخبث خلق الله وأشرهم. { فاخرج إنك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
مما وصف لكم". قلت لنعيم بن حماد: أين سمعت هذا من عبد الرزاق؟ قال: باليمن (1) وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح: "وخلقت الحور العين من الزعفران" (2) . وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن الحسن في قوله: {خلقتني من نار وخلقته من طين} قال: قاس إبليس، وهو أول من قاس. إسناده صحيح. وقال: حدثني عمرو بن مالك، حدثني يحيى بن سليم الطائفي (3) عن هشام، عن ابن سيرين قال: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس (4) إسناد صحيح أيضا. يقول تعالى مخاطبا لإبليس بأمر قدري كوني: {فاهبط منها} أي: بسبب عصيانك لأمري، وخروجك عن طاعتي، فما يكون لك أن تتكبر فيها. قال كثير من المفسرين: الضمير عائد إلى الجنة، ويحتمل أن يكون عائدا إلى المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى. {فاخرج إنك من الصاغرين} أي: الذليلين الحقيرين، معاملة له بنقيض قصده، مكافأة لمراده بضده، فعند ذلك استدرك اللعين وسأل النظرة إلى يوم الدين، قال: {أنظرني (5) إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين} أجابه تعالى إلى ما سأل، لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب. يخبر تعالى أنه لما أنظر إبليس {إلى يوم يبعثون} (6) واستوثق إبليس بذلك، أخذ في المعاندة والتمرد، فقال: {فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} أي: كما أغويتني. قال ابن عباس: كما أضللتني. وقال غيره: كما أهلكتني لأقعدن لعبادك -الذين تخلقهم من
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٣٩٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
من النظرة كان قد أعطي الخلود وبقاء لا فناء معه، وذلك أنه لا موت بعد البعث. فقال جل ثناؤه له: {إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} ، وذلك إلى اليوم الذي قد كتب الله عليه فيه الهلاك والموت والفناء لأنه لا شيء يبقى فلا يفنى غير ربنا الحي الذي لا يموت، يقول الله تعالى ذكره: {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] ، والإنظار في كلام العرب: التأخير، يقال منه: أنظرته بحقي عليه، أنظره به إنظارا.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٨٩) ↗التحرير والتنوير
الدعاء بعدا. وسياق هذه الآية كسياق أختها في قوله: فاخرج إنك من الصاغرين قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم [الأعراف: 13- 16] الآية فكلها أخبار. وهي تشير إلى ما كان في أول خلق البشر من تنافر الأحوال الشيطانية لأحوال البشر، ونشأة العداوة عن ذلك التنافر، وما كونه الله من أسباب الذود عن مصالح البشر أن تنالها القوى الشيطانية نوال إهلاك بحرمان الشياطين من رضا الله تعالى، ومن مداخلتهم في مواقع الصلاح، إلا بمقدار ما تنتهز تلك القوى من فرض ميل القوى البشرية إلى القوى الشيطانية وانجذابها، فتلك خلس تعمل الشياطين فيها عملها، وهو ما أشار إليه قوله تعالى: قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين [الحجر: 41، 32] . وتلك ألطاف من الله أودعها في نظام الحياة البشرية عند التكوين، فغلب بسببها الصلاح على جماعة البشر في كل عصر، وبقي معها من الشرور حظ يسير ينزع فيه الشيطان منازعه وكل الله أمر الذياد عنه إلى إرادة البشر، بعد تزويدهم بالنصح والإرشاد بواسطة الشرائع والحكمة. فمعنى الحكاية عنه بقوله: لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا أن الله خلق في الشيطان علما ضروريا أيقن بمقتضاه أن فيه المقدرة على فتنة البشر وتسخيرهم، وكانت في نظام البشر فرص تدخل في خلالها آثار فتنة الشيطان، فذلك هو النصيب المفروض، أي المجعول بفرض الله وتقديره في أصل الجبلة. وليس قوله: من عبادك إنكارا من الشيطان لعبوديته لله، ولكنها جلافة الخطاب الناشئة عن خباثة التفكير المتأصلة في جبلته، حتى لا يستحضر الفكر من المعاني المدلولة إلا ما له فيه هوى، ولا يتفطن إلى ما يحف بذلك من الغلظة، ولا إلى ما يفوته من الأدب والمعاني الجميلة، فكل حظ كان للشيطان في تصرفات البشر من أعمالهم المعنوية: كالعقائد والتفكيرات الشريرة، ومن أعمالهم المحسوسة: كالفساد في الأرض، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗