البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الأعراف · الآية ١٤٩

﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ ثم بعثنا من بعدهم موسى بآيتنآ إلى فرعون وملإيه } إلى آخر قصته. أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم، الإمام العظيم، والرسول الكريم، إلى قوم عتاة جبابرة، وهم فرعون وملئه، من أشرافهم وكبرائهم، فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهد له نظير { فظلموا بها } بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ينقد له فهو ظالم، بل استكبروا عنها { فانظر كيف كان عقبة المفسدين } كيف أهلكهم الله، وأتبعهم الذم واللعنة في الدنيا ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود، وهذا مجمل فصله بقوله: { وقال موسى } حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان { يفرعون إني رسول من رب العالمين } أي: إني رسول من مرسل عظيم، وهو رب العالمين، الشامل للعالم العلوي والسفلي، مربي جميع خلقه بأنواع التدابير الإلهية، التي من جملتها أنه لا يتركهم سدى، بل يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه، ويدعي أنه أرسله ولم يرسله. فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته، فحقيق علي أن لا أكذب عليه، ولا أقول عليه إلا الحق، فإني لو قلت غير ذلك لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر. فهذا موجب لأن ينقادوا له ويتبعوه، خصوصا وقد جاءهم ببينة من الله واضحة على صحة ما جاء به من الحق، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان. إيمانهم به، واتباعهم له، وإرسال بني إسرائيل الشعب الذي فضله الله على العالمين، أولاد الأنبياء، وسلسلة يعقوب عليه السلام، الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحد منهم. فقال له فرعون: { إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من الصادقين * فألقى } موسى { عصاه } في الأرض { فإذا هي ثعبان مبين } أي: حية ظاهرة تسعى، وهم يشاهدونها. { ونزع يده } من جيبه { فإذا هي بيضآء للناظرين } من غير سوء، فهاتان آيتان كبيرتان دالتان على صحة ما جاء به موسى وصدقه، وأنه رسول رب العالمين، ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وكان هذا منهم بعد ذهاب موسى [عليه السلام] (1) لميقات ربه تعالى، وأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور، حيث يقول تعالى إخبارا عن نفسه الكريمة: {قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري} [طه:85] وقد اختلف المفسرون في هذا العجل: هل صار لحما ودما له خوار؟ أو استمر على كونه من ذهب، إلا أنه يدخل فيه الهواء فيصوت كالبقر؟ على قولين، والله أعلم. ويقال: إنهم لما صوت لهم العجل رقصوا حوله وافتتنوا به، {فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي} [طه:88] فقال الله تعالى: {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} [طه:89] وقال في هذه الآية الكريمة: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} ينكر تعالى عليهم في ضلالهم بالعجل، وذهولهم عن خالق السماوات والأرض ورب كل شيء ومليكه، أن عبدوا (2) معه عجلا جسدا له خوار لا يكلمهم، ولا يرشدهم إلى خير. ولكن غطى على أعين بصائرهم (3) عمى الجهل والضلال، كما تقدم من رواية الإمام أحمد وأبو داود، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حبك الشيء يعمي ويصم" (4) وقوله: {ولما سقط في أيديهم} أي: ندموا على ما فعلوا، {ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا} وقرأ بعضهم: "لئن لم ترحمنا" بالتاء المثناة من فوق، "ربنا" منادى، "وتغفر لنا"، {لنكونن من الخاسرين} أي: من الهالكين وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله عز وجل. يخبر تعالى أن موسى، عليه السلام، رجع إلى قومه من مناجاة ربه تعالى وهو غضبان أسف. قال أبو الدرداء "الأسف": أشد الغضب. {قال بئسما خلفتموني من بعدي} يقول: بئس ما صنعتم في عبادتكم العجل بعد أن ذهبت وتركتكم. وقوله: {أعجلتم أمر ربكم} ؟ يقول: استعجلتم مجيئي إليكم، وهو مقدر من الله تعالى. وقوله: {وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه} قيل: كانت الألواح من زمرد. وقيل: من

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٤٧٦) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

وحكمه فيهم. وكذلك تقول العرب لكل نادم على أمر فات منه أو سلف وعاجز عن شيء: قد سقط في يديه، وأسقط لغتان فصيحتان، وأصله من الاستئسار، وذلك أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه، فيرمي به من يديه إلى الأرض ليأسره فيكتفه، فالمرمي به مسقوط في يدي الساقط به، فقيل لكل عاجز عن شيء ومصارع لعجزه متندم على ما فاته: سقط في يديه وأسقط. وعنى بقوله: {ورأوا أنهم قد ضلوا} [الأعراف: 149] ورأوا أنهم قد جاروا عن قصد السبيل وذهبوا عن دين الله، وكفروا بربهم، قالوا تائبين إلى الله منيبين إليه من كفرهم به: {لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 149] ثم اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء أهل المدينة ومكة والكوفة والبصرة: «لئن لم يرحمنا ربنا» بالرفع على وجه الخبر. وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: (لئن لم ترحمنا ربنا) بالنصب بتأويل لئن لم ترحمنا يا ربنا، على وجه الخطاب منهم لربهم. واعتل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٤٤٨) ↗

التحرير والتنوير

… من التوكيد في مثل هذا المقام هو التكرير لأجل التعجيب، كما يقال: نعم اتخذوه، ولتبنى عليه جملة وكانوا ظالمين فيظهر أنها متعلقة باتخاذ العجل، وذلك لبعد جملة: واتخذ قوم موسى بما وليها من الجملة وهذا كقوله: وليكتب بينكم كاتب بالعدل- إلى قوله- فليكتب [البقرة: 282] أعيد فليكتب لتبنى عليه جملة: وليملل الذي عليه الحق [البقرة: 282] ، وهذا التكرير يفيد مع ذلك التوكيد وما يترتب على التوكيد. وجملة: وكانوا ظالمين في موضع الحال من الضمير المرفوع في قوله: اتخذوه وهذا كقوله في سورة البقرة [51] ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. [149] ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين (149) كان مقتضى الظاهر في ترتيب حكاية الحوادث أن يتأخر قوله: ولما سقط في أيديهم الآية، عن قوله: ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا [الأعراف: 150] لأنهم ما سقط في أيديهم إلا بعد أن رجع موسى ورأوا فرط غضبه وسمعوا توبيخه أخاه وإياهم، وإنما خولف مقتضى الترتيب تعجيلا بذكر ما كان لاتخاذهم العجل من عاقبة الندامة وتبين الضلالة، موعظة للسامعين لكيلا يعجلوا في التحول عن سنتهم، حتى يتبينوا عواقب ما هم متحولون إليه. وسقط في أيديهم مبني للمجهول، كلمة أجراها القرآن مجرى المثل إذا أنظمت على إيجاز بديع وكناية واستعارة، فإن اليد تستعار للقوة والنصرة إذ بها

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/١١١) ↗