البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الأعراف · الآية ١٤٣

﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ ثم بعثنا من بعدهم موسى بآيتنآ إلى فرعون وملإيه } إلى آخر قصته. أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم، الإمام العظيم، والرسول الكريم، إلى قوم عتاة جبابرة، وهم فرعون وملئه، من أشرافهم وكبرائهم، فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهد له نظير { فظلموا بها } بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ينقد له فهو ظالم، بل استكبروا عنها { فانظر كيف كان عقبة المفسدين } كيف أهلكهم الله، وأتبعهم الذم واللعنة في الدنيا ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود، وهذا مجمل فصله بقوله: { وقال موسى } حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان { يفرعون إني رسول من رب العالمين } أي: إني رسول من مرسل عظيم، وهو رب العالمين، الشامل للعالم العلوي والسفلي، مربي جميع خلقه بأنواع التدابير الإلهية، التي من جملتها أنه لا يتركهم سدى، بل يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه، ويدعي أنه أرسله ولم يرسله. فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته، فحقيق علي أن لا أكذب عليه، ولا أقول عليه إلا الحق، فإني لو قلت غير ذلك لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر. فهذا موجب لأن ينقادوا له ويتبعوه، خصوصا وقد جاءهم ببينة من الله واضحة على صحة ما جاء به من الحق، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان. إيمانهم به، واتباعهم له، وإرسال بني إسرائيل الشعب الذي فضله الله على العالمين، أولاد الأنبياء، وسلسلة يعقوب عليه السلام، الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحد منهم. فقال له فرعون: { إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من الصادقين * فألقى } موسى { عصاه } في الأرض { فإذا هي ثعبان مبين } أي: حية ظاهرة تسعى، وهم يشاهدونها. { ونزع يده } من جيبه { فإذا هي بيضآء للناظرين } من غير سوء، فهاتان آيتان كبيرتان دالتان على صحة ما جاء به موسى وصدقه، وأنه رسول رب العالمين، ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقد أشكل حرف "لن" هاهنا على كثير من العلماء؛ لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة. وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، كما سنوردها عند قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة. ووجوه يومئذ باسرة} [القيامة:22، 23] . وقوله تعالى إخبارا عن الكفار: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين:15] وقيل: إنها لنفي التأبيد في الدنيا، جمعا بين هذه الآية، وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الدار الآخرة. وقيل: إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} وقد تقدم ذلك في الأنعام [الآية:103] . وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال لموسى، عليه السلام: "يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده"؛ ولهذا قال تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا} قال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية: حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي، حدثنا قرة بن عيسى، حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما تجلى ربه للجبل، أشار بإصبعه فجعله دكا" وأرانا أبو إسماعيل بإصبعه السبابة (1) هذا الإسناد فيه رجل مبهم لم يسم، ثم قال (2) حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن ليث، عن أنس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} قال: "هكذا بإصبعه -ووضع النبي صلى الله عليه وسلم إصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر-فساخ الجبل" (3) هكذا وقع في هذه الرواية "حماد بن سلمة، عن ليث، عن أنس". والمشهور: "حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس"، كما قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ولما جاء موسى للوقت الذي وعدنا أن يلقانا فيه، وكلمه ربه وناجاه، قال موسى لربه: {أرني أنظر إليك} [الأعراف: 143] قال الله له مجيبا PageEndV10P419 : {لن تراني ولكن انظر إلى الجبل} [الأعراف: 143] وكان سبب مسألة موسى ربه النظر إليه ما حدثني به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " إن موسى عليه السلام لما كلمه ربه أحب أن ينظر إليه، {قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} [الأعراف: 143] فحف حول الجبل، وحف حول الملائكة بنار، وحف حول النار بملائكة، وحف حول الملائكة بنار، ثم تجلى ربه للجبل " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " {وقربناه نجيا} [مريم: 52] قال: ثني من لقي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قربه الرب حتى سمع صريف القلم، فقال عند ذلك من الشوق إليه: {رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل} [الأعراف: 143] " حدثنا القاسم، قال: ثني الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر الهذلي، قال: " لما تخلف موسى عليه السلام بعد الثلاثين، حتى سمع كلام الله اشتاق إلى النظر إليه، فقال: {رب أرني أنظر إليك قال لن تراني} [الأعراف: 143] وليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا، من نظر إلي مات. قال: إلهي سمعت منطقك واشتقت إلى النظر إليك، ولأن أنظر إليك ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ولا أراك، قال: PageEndV10P420 فانظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {أرني أنظر إليك} [الأعراف: 143] قال: أعطني " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " استخلف موسى هارون على بني إسرائيل، وقال: إني متعجل إلى ربي، فاخلفني في قومي، ولا تتبع سبيل المفسدين، فخرج موسى إلى ربه متعجلا للقيه شوقا إليه، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

فليست جملة: ولا تتبع سبيل المفسدين مجرد تأكيد لمضمون جملة وأصلح تأكيدا للشيء بنفي ضده مثل قوله: أموات غير أحياء [النحل: 21] لأنها لو كان ذلك هو المقصد منها لجردت من حرف العطف، ولاقتصر على النهي عن الإفساد فقيل: وأصلح لا تفسد، نعم يحصل من معانيها ما فيه تأكيد لمضمون جملة: وأصلح. [143، 144] ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143) قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين (144) جعل مجيء موسى في الوقت المعين أمرا حاصلا غير محتاج للإخبار عنه، للعلم بأن موسى لا يتأخر ولا يترك ذلك، وجعل تكليم الله إياه في خلال ذلك الميقات أيضا حاصلا غير محتاج للإخبار عن حلوله، لظهور أن المواعدة المتضمنة للملاقاة تتضمن الكلام، لأن ملاقاة الله بالمعنى الحقيقي غير ممكنة، فليس يحصل من شؤون المواعدة إلا الكلام الصادر عن إرادة الله وقدرته، فلذلك كله جعل مجيء موسى للميقات وتكليم الله إياه شرطا لحرف (لما) لأنه كالمعلوم، وجعل الإخبار متعلقا بما بعد ذلك، وهو اعتبار بعظمة الله وجلاله، فكان الكلام ضربا من الإيجاز بحذف الخبر عن جملتين استغناء عنهما بأنهما جعلتا شرطا للما. ويجوز أن تجعل الواو في قوله: وكلمه ربه زائدة في جواب لما كما قاله الأكثر في قول امرئ القيس: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل أن جواب لما هو قوله وانتحى، وجوزوه في قوله تعالى: فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم [الصافات: 103، 104] الآية، أن يكون وناديناه هو جواب (لما) فيصير

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٨٩) ↗