سورة الأعراف · الآية ١١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى مخاطبا لبني آدم: { ولقد خلقناكم } بخلق أصلكم ومادتكم التي منها خرجتم: أبيكم آدم عليه السلام { ثم صورناكم } في أحسن صورة وأحسن تقويم، وعلمه الله تعالى ما به تكمل صورته الباطنة، أسماء كل شيء. ثم أمر الملائكة الكرام أن يسجدوا لآدم، إكراما واحتراما، وإظهارا لفضله، فامتثلوا أمر ربهم، { فسجدوا } كلهم أجمعون { إلا إبليس } أبى أن يسجد له، تكبرا عليه وإعجابا بنفسه. فوبخه الله على ذلك وقال: { ما منعك ألا تسجد } لما خلقت بيدي، أي: شرفته وفضلته بهذه الفضيلة، التي لم تكن لغيره، فعصيت أمري وتهاونت بي؟ { قال } إبليس معارضا لربه: { أنا خير منه } ثم برهن على هذه الدعوى الباطلة بقوله: { خلقتني من نار وخلقته من طين } وموجب هذا أن المخلوق من نار أفضل من المخلوق من طين لعلو النار على الطين وصعودها، وهذا القياس من أفسد الأقيسة، فإنه باطل من عدة أوجه: منها: أنه في مقابلة أمر الله له بالسجود، والقياس إذا عارض النص، فإنه قياس باطل، لأن المقصود بالقياس، أن يكون الحكم الذي لم يأت فيه نص، يقارب الأمور المنصوص عليها، ويكون تابعا لها. فأما قياس يعارضها، ويلزم من اعتباره إلغاء النصوص، فهذا القياس من أشنع الأقيسة. ومنها: أن قوله: { أنا خير منه } بمجردها كافية لنقص إبليس الخبيث. فإنه برهن على نقصه بإعجابه بنفسه وتكبره، والقول على الله بلا علم. وأي نقص أعظم من هذا؟!! ومنها: أنه كذب في تفضيل مادة النار على مادة الطين والتراب، فإن مادة الطين فيها الخشوع والسكون والرزانة، ومنها تظهر بركات الأرض من الأشجار وأنواع النبات، على اختلاف أجناسه وأنواعه، وأما النار ففيها الخفة والطيش والإحراق. ولهذا لما جرى من إبليس ما جرى، انحط من مرتبته العالية إلى أسفل السافلين، فقال الله له: { فاهبط منها } أي: من الجنة { فما يكون لك أن تتكبر فيها } لأنها دار الطيبين الطاهرين، فلا تليق بأخبث خلق الله وأشرهم. { فاخرج إنك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
نطفة، وصح هذا لأن المراد من (1) خلقنا الإنسان الجنس، لا معينا، والله أعلم. قال بعض النحاة في توجيه قوله تعالى: {ما [منعك] (1) ألا تسجد إذ أمرتك} لا هاهنا زائدة. وقال بعضهم: زيدت لتأكيد الجحد، كقول الشاعر: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله فأدخل "إن" وهي للنفي، على "ما" النافية؛ لتأكيد النفي، قالوا: وكذلك هاهنا: {ما منعك ألا تسجد} مع تقدم قوله: {لم يكن من الساجدين} حكاهما ابن جرير (2) وردهما، واختار أن "منعك" تضمن معنى فعل آخر تقديره: ما أحوجك وألزمك واضطرك ألا تسجد إذ أمرتك، ونحو ذلك. وهذا القول قوي حسن، والله أعلم. وقول إبليس لعنه الله: {أنا خير منه} من العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني لعنه الله: وأنا خير منه، فكيف تأمرني بالسجود له؟ ثم بين أنه خير منه، بأنه خلق من نار، والنار أشرف مما خلقته منه، وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر، ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص قوله تعالى: {فقعوا له ساجدين} فشذ من بين الملائكة بترك السجود؛ فلهذا (3) أبلس من الرحمة، أي: أيس من الرحمة، فأخطأ قبحه الله في قياسه ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضا، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح. والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة؛ ولهذا خان إبليس عنصره، ونفع آدم عنصره في الرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله، والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة. وفي صحيح مسلم، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" هكذا رواه مسلم (4) . وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل، عن عبد الله بن مسعود، حدثنا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ومثالا ممثلا في صورة آدم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٧٥) ↗التحرير والتنوير
… تقدم آنفا في أول السورة، ويجوز أن يكون على حقيقته أي إن شكركم الله قليل. لأنهم لما عرفوا أنه ربهم فقد شكروه، ولكن أكثر أحوالهم هو الإعراض عن شكره والإقبال على عبادة الأصنام وما يتبعها، ويجوز أن تكون القلة كناية عن العدم على طريقة الكلام المقتصد استنزالا لتذكرهم. وانتصب (قليلا) على الحال من ضمير المخاطبين و (ما) مصدرية، والمصدر المؤول في محل الفاعل بقليلا فهي حال سببية. وفي التعقيب بهذه الآية لآية: وكم من قرية أهلكناها [الأعراف: 4] إيماء إلى أن إهمال شكر النعمة يعرض صاحبها لزوالها، وهو ما دل عليه قوله: أهلكناها. [11- 13] 13] ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (11) قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (12) قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) عطف على جملة: ولقد مكناكم في الأرض [الأعراف: 10] تذكيرا بنعمة إيجاد النوع، وهي نعمة عناية، لأن الوجود أشرف من العدم، بقطع النظر عما قد يعرض للموجود من الأكدار والمتاعب، وبنعمة تفضيله على النوع بأن أمر الملائكة بالسجود لأصله، وأدمج في هذا الامتنان تنبيه وإيقاظ إلى عداوة الشيطان لنوع الإنسان من القدم، ليكون ذلك تمهيدا للتحذير من وسوسته وتضليله، وإغراء بالإقلاع عما أوقع فيه الناس من الشرك والضلالة، وهو غرض السورة، وذلك عند قوله تعالى: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة [الأعراف: 27] وما تلاه من الآيات، فلذلك كان هذا بمنزلة الاستدلال وسط في خلال الموعظة. والخطاب للناس كلهم، والمقصود منه المشركون، لأنهم الغرض في هذه السورة. وتأكيد الخبر باللام و (قد) للوجه الذي تقدم في قوله: ولقد خلقناكم، وتعدية فعلي الخلق والتصوير إلى ضمير المخاطبين، لما كان على معنى خلق النوع الذي هم من أفراد تعين أن يكون المعنى: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗