سورة الأعراف · الآية ١٠٥
﴿حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ثم بعثنا من بعدهم موسى بآيتنآ إلى فرعون وملإيه } إلى آخر قصته. أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم، الإمام العظيم، والرسول الكريم، إلى قوم عتاة جبابرة، وهم فرعون وملئه، من أشرافهم وكبرائهم، فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهد له نظير { فظلموا بها } بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ينقد له فهو ظالم، بل استكبروا عنها { فانظر كيف كان عقبة المفسدين } كيف أهلكهم الله، وأتبعهم الذم واللعنة في الدنيا ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود، وهذا مجمل فصله بقوله: { وقال موسى } حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان { يفرعون إني رسول من رب العالمين } أي: إني رسول من مرسل عظيم، وهو رب العالمين، الشامل للعالم العلوي والسفلي، مربي جميع خلقه بأنواع التدابير الإلهية، التي من جملتها أنه لا يتركهم سدى، بل يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه، ويدعي أنه أرسله ولم يرسله. فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته، فحقيق علي أن لا أكذب عليه، ولا أقول عليه إلا الحق، فإني لو قلت غير ذلك لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر. فهذا موجب لأن ينقادوا له ويتبعوه، خصوصا وقد جاءهم ببينة من الله واضحة على صحة ما جاء به من الحق، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان. إيمانهم به، واتباعهم له، وإرسال بني إسرائيل الشعب الذي فضله الله على العالمين، أولاد الأنبياء، وسلسلة يعقوب عليه السلام، الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحد منهم. فقال له فرعون: { إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من الصادقين * فألقى } موسى { عصاه } في الأرض { فإذا هي ثعبان مبين } أي: حية ظاهرة تسعى، وهم يشاهدونها. { ونزع يده } من جيبه { فإذا هي بيضآء للناظرين } من غير سوء، فهاتان آيتان كبيرتان دالتان على صحة ما جاء به موسى وصدقه، وأنه رسول رب العالمين، ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} [النمل:14] أي: الذين صدوا عن سبيل الله وكذبوا رسله، أي: انظر -يا محمد -كيف فعلنا بهم، وأغرقناهم عن آخرهم، بمرأى من موسى وقومه. وهذا أبلغ في النكال بفرعون وقومه، وأشفى لقلوب أولياء الله -موسى وقومه -من المؤمنين به (1) . يخبر تعالى عن مناظرة موسى لفرعون، وإلجامه إياه بالحجة، وإظهاره الآيات البينات بحضرة فرعون وقومه من قبط مصر، فقال تعالى: {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين} أي: أرسلني الذي هو خالق كل شيء وربه ومليكه. {حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق} فقال بعضهم: معناه: حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق، أي: جدير بذلك وحري به. وقالوا و"الباء" و"على" يتعاقبان، فيقال (1) رميت بالقوس" و"على القوس"، و"جاء على حال حسنة" و "بحال حسنة". وقال بعض المفسرين: معناه: حريص على ألا أقول على الله إلا الحق. وقرأ آخرون من أهل المدينة: {حقيق علي} بمعنى: واجب وحق علي ذلك ألا أخبر عنه إلا بما هو حق وصدق، لما أعلم من عز جلاله وعظيم سلطانه. {قد جئتكم ببينة من ربكم} أي: بحجة قاطعة من الله، أعطانيها دليلا على صدقي فيما (2) جئتكم به، {فأرسل معي بني إسرائيل} أي: أطلقهم من أسرك وقهرك، ودعهم وعبادة ربك وربهم؛ فإنهم من سلالة نبي كريم إسرائيل، وهو: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن [عليهم صلوات الرحمن] (3) {قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين} أي: قال فرعون: لست بمصدقك فيما قلت، ولا بمطيعك فيما طلبت، فإن كانت معك حجة فأظهرها لنراها، إن كنت صادقا فيما ادعيت. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {ثعبان مبين} الحية الذكر. وكذا قال السدي، والضحاك.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٤٥٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والمدنيين والبصرة والكوفة: {حقيق على أن لا أقول} [الأعراف: 105] بإرسال الياء من {على} [البقرة: 5] وترك تشديدها، بمعنى: أنا حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق، فوجهوا معنى على إلى معنى الباء، كما يقال: رميت بالقوس وعلى القوس، وجئت على حال حسنة، وبحال حسنة. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: إذا قرئ ذلك كذلك، فمعناه: حريص على أن لا أقول إلا بحق. وقرأ ذلك جماعة من أهل المدينة: (حقيق علي أن لا أقول) بمعنى: واجب علي أن لا أقول، وحق علي أن لا أقول. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، قد قرأ
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٣٤٢) ↗التحرير والتنوير
القلب ينشأ عنه فساد الأعمال، وفي الحديث: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» . [104- 108] 108] وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين (104) حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل (105) قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين (106) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (108) عطف قول موسى بالواو، ولم يفصل عما قبله، مع أن جملة هذا القول بمنزلة البيان لجملة بعثنا من بعدهم موسى [الأعراف: 103] ، لأنه لما كان قوله: بآياتنا [الأعراف: 103] حالا من موسى فقد فهم أن المقصود تنظير حال الذين أرسل إليهم موسى بحال الأمم التي مضى الإخبار عنها في المكابرة على التكذيب، مع ظهور آيات الصدق، ليتم بذلك تشابه حال الماضين مع حال الحاضرين المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم، فجعلت حكاية محاورة موسى مع فرعون وملئه خبرا مستقلا لأنه لم يحك فيه قوله المقارن لإظهار الآية بل ذكرت الآية من قبل، بخلاف ما حكي في القصص التي قبلها فإن حكاية أقوال الرسل كانت قبل ذكر الآية، ولأن القصة هنا قد حكي جميعها باختصار بجمل بعثنا [الأعراف: 103] ، فظلموا [الأعراف: 103] ، فانظر [الأعراف: 103] ، فصارت جملة: قال تفصيلا لبعض ما تقدم، فلا تكون مفصولة لأن الفصل إنما يكون بين جملتين، لا بين جملة وبين عدة جمل أخرى. والظاهر أن خطاب موسى فرعون بقوله: يا فرعون خطاب إكرام لأنه ناداه بالاسم الدال على الملك والسلطان بحسب متعارف أمته فليس هو بترفع عليه لأن الله تعالى قال له ولهارون فقولا له قولا لينا [طه: 44] ، والظاهر أيضا أن قول موسى هذا هو أول ما خاطب به فرعون كما دلت عليه سورة طه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٣٧) ↗