سورة الحاقة · الآية ١١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: وكذلك غير هاتين الأمتين الطاغيتين، عاد وثمود، جاء غيرهم من الطغاة العتاة، كفرعون مصر، الذي أرسل الله إليه عبده ورسوله موسى [ابن عمران] عليه الصلاة والسلام، وأراه من الآيات البينات، ما تيقنوا بها الحق، ولكن جحدوا وكفروا، ظلما وعلوا، وجاء من قبله من المكذبين، { والمؤتفكات } أي: قرى قوم لوط، الجميع جاؤوا { بالخاطئة } أي: بالفعلة الطاغية، وهي الكفر والتكذيب، والظلم والمعاندة، وما انضم إلى ذلك من أنواع الفواحش والفسوق. { فعصوا رسول ربهم } وهذا اسم جنس أي: كل من هؤلاء كذب الرسول الذي أرسله الله إليهم. فأخذ الله الجميع { أخذة رابية } أي: زائدة على الحد والمقدار، الذي يحصل به هلاكهم. ومن جملة أولئك، قوم نوح، أغرقهم الله في اليم حين طغى [الماء على وجه] الأرض، وعلا على مواضعها الرفيعة. وامتن الله على الخلق الموجودين بعدهم أن الله حملهم { في الجارية } وهي السفينة في أصلاب آبائهم وأمهاتهم، الذين نجاهم الله، فاحمدوا الله واشكروا الذي نجاكم حين أهلك الطاغين، واعتبروا بآياته الدالة على توحيده، ولهذا قال: { لنجعلها } أي: الجارية، والمراد جنسها، لكم { تذكرة } تذكركم أول سفينة صنعت، وما قصتها، وكيف نجى الله عليها من آمن به واتبع رسوله، وأهلك أهل الأرض كلهم، فإن جنس الشيء مذكر بأصله. وقوله: { وتعيهآ أذن واعية } أي: تعقلها أولو الألباب، ويعرفون المقصود منها ووجه الآية بها. وهذا بخلاف أهل الإعراض والغفلة، وأهل البلادة وعدم الفطنة، فإنهم ليس لهم انتفاع بآيات الله، لعدم وعيهم عن الله، وفكرهم بآيات الله.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحاقة ٩–١٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والثوري، وغير واحد {حسوما} متتابعات. وعن عكرمة والربيع: مشائيم عليهم، كقوله: {في أيام نحسات} [فصلت: 16] قال الربيع: وكان أولها الجمعة. وقال غيره الأربعاء. ويقال: إنها التي تسميها الناس الأعجاز؛ وكأن الناس أخذوا ذلك من قوله تعالى: {فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية} وقيل: لأنها تكون في عجز الشتاء، ويقال: أيام العجوز؛ لأن عجوزا من قوم عاد دخلت سربا فقتلها الريح في اليوم الثامن. حكاه البغوي (1) والله أعلم. قال ابن عباس: {خاوية} خربة. وقال غيره: بالية، أي: جعلت الريح تضرب بأحدهم الأرض فيخر ميتا على أم رأسه، فينشدخ رأسه وتبقى جثته هامدة كأنها قائمة النخلة إذا خرت بلا أغصان. وقد ثبت في الصحيحين، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" (2) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس العبدي، حدثنا ابن فضيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما فتح الله على عاد من الريح التي أهلكوا فيها إلا مثل موضع الخاتم، فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم، فجعلتهم بين السماء والأرض. فلما رأى ذلك أهل الحاضرة الريح (3) وما فيها قالوا: هذا عارض ممطرنا. فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة" (4) . وقال الثوري عن ليث، عن مجاهد: الريح لها جناحان وذنب. {فهل ترى لهم من باقية} ؟ أي: هل تحس منهم من أحد من بقاياهم أنه (5) ممن ينتسب إليهم؟ بل بادوا عن آخرهم ولم يجعل الله لهم خلفا. ثم قال تعالى: {وجاء فرعون ومن قبله} قرئ بكسر القاف، أي: ومن عنده في زمانه من أتباعه من كفار القبط. وقرأ آخرون بفتحها، أي: ومن قبله من الأمم المشبهين له. وقوله: {والمؤتفكات} وهم المكذبون بالرسل. {بالخاطئة} أي بالفعلة الخاطئة، وهي التكذيب بما أنزل الله. قال الربيع: {بالخاطئة} أي: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[هود: 17] فقرأته عامة قراء المدينة والكوفة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٢١٥) ↗التحرير والتنوير
ويجوز أن يرجع ضمير (عصوا) إلى فرعون ومن قبله والمؤتفكات. ورسول ربهم هو الرسول المرسل إلى كل قوم من هؤلاء. فإفراد رسول مراد به التوزيع على الجماعات، أي رسول الله لكل جماعة منهم، والقرينة ظاهرة، وهو أجمل نظما من أن يقال: فعصوا رسل ربهم، لما في إفراد رسول من التفنن في صيغ الكلم من جمع وإفراد تفاديا من تتابع ثلاثة جموع لأن صيغ الجمع لا تخلو من ثقل لقلة استعمالها وعكسه قوله في سورة الفرقان [37] وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم، وإنما كذبوا رسولا واحدا، وقوله: كذبت قوم نوح المرسلين وما بعده في سورة الشعراء [105] ، وقد تقدم تأويل ذلك في موضعه. والأخذ: مستعمل في الإهلاك، وقد تقدم عند قوله تعالى: أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون في سورة الأنعام [44] وفي مواضع أخرى. وأخذة: واحدة من الأخذ، فيراد بها أخذ فرعون وقومه بالغرق، كما قال تعالى: فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر [القمر: 42] ، وإذا أعيد ضمير الغائب إلى فرعون ومن قبله والمؤتفكات كان إفراد الأخذة كإفراد رسول ربهم، أي أخذنا كل أمة منهم أخذة. والرابية: اسم فاعل من ربا يربو إذا زاد فلما صيغ منه وزن فاعلة، قلبت الواو ياء لوقوعها متحركة إثر كسرة. واستعير الربو هنا للشدة كما تستعار الكثرة للشدة في نحو قوله تعالى: وادعوا ثبورا كثيرا [الفرقان: 14] . والمراد بالأخذة الرابية: إهلاك الاستئصال، أي ليس في إهلاكهم إبقاء قليل منهم. [11- 12] 12] إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية (11) لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية (12) إن قوله تعالى: ومن قبله [الحاقة: 9] لما شمل قوم نوح وهم أول الأمم كذبوا الرسل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/١٢٢) ↗