سورة القلم · الآية ٤٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: دعني والمكذبين بالقرآن العظيم، فإن علي جزاءهم، ولا تستعجل لهم، ف { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } فنمدهم بالأموال والأولاد، ونمدهم في الأرزاق والأعمال، ليغتروا ويستمروا على ما يضرهم، فإن وهذا من كيد الله لهم، وكيد الله لأعدائه، متين قوي، يبلغ من ضررهم وعذابهم فوق كل مبلغ. { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون } أي: ليس لنفورهم عنك، وعدم تصديقهم لما جئت به ، سبب يوجب لهم ذلك، فإنك تعلمهم، وتدعوهم إلى الله، لمحض مصلحتهم، من غير أن تطلبهم من أموالهم مغرما يثقل عليهم. { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } ما كان عندهم من الغيوب، وقد وجدوا فيها أنهم على حق، وأن لهم الثواب عند الله، فهذا أمر ما كان، وإنما كانت حالهم حال معاند ظالم. فلم يبق إلا الصبر لأذاهم، والتحمل لما يصدر منهم، والاستمرار على دعوتهم، ولهذا قال: { فاصبر لحكم ربك } أي: لما حكم به شرعا وقدرا، فالحكم القدري، يصبر على المؤذي منه، ولا يتلقى بالسخط والجزع، والحكم الشرعي، يقابل بالقبول والتسليم، والانقياد التام لأمره. وقوله: { ولا تكن كصاحب الحوت } وهو يونس بن متى، عليه الصلاة والسلام أي: ولا تشابهه في الحال التي أوصلته، وأوجبت له الانحباس في بطن الحوت، وهو عدم صبره على قومه الصبر المطلوب منه، وذهابه مغاضبا لربه، حتى ركب في البحر، فاقترع أهل السفينة حين ثقلت بأهلها أيهم يلقون لكي تخف بهم، فوقعت القرعة عليه فالتقمه الحوت وهو مليم، [وقوله] { إذ نادى وهو مكظوم } أي: وهو في بطنها قد كظمت عليه، أو نادى وهو مغتم مهتم، بأن قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] فاستجاب الله له، وقذفته الحوت من بطنها بالعراء وهو سقيم، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين، ولهذا قال هنا: { لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعرآء } أي: لطرح في العراء، وهي الأرض الخالية { وهو مذموم } ولكن الله تغمده برحمته، فنبذ وهو ممدوح، وصارت حاله أحسن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية، فقال تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} أي: أوجدوا من غير موجد؟ أم هم أوجدوا أنفسهم؟ أي: لا هذا ولا هذا، بل الله هو الذي خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا. قال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان قال: حدثوني عن الزهري، عن محمد بن جبير ابن مطعم، عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون. أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون. أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون} كاد قلبي أن يطير (1) . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طرق، عن الزهري، به (2) . وجبير بن مطعم كان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر في فداء الأسارى، وكان إذ ذاك مشركا، وكان سماعه هذه الآية من هذه السورة من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام بعد ذلك. ثم قال تعالى: {أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون} أي: أهم خلقوا السموات والأرض؟ وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله، وهم يعلمون أنه الخالق وحده، لا شريك له. ولكن عدم إيقانهم هو الذي يحملهم على ذلك، {أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون} أي: أهم يتصرفون في الملك وبيدهم مفاتيح الخزائن، {أم هم المسيطرون} أي: المحاسبون للخلائق، ليس الأمر كذلك، بل الله، عز وجل، هو المالك المتصرف الفعال لما يريد. وقوله: {أم لهم سلم يستمعون فيه} أي: مرقاة إلى الملأ الأعلى، {فليأت مستمعهم بسلطان مبين} أي: فليأت الذي يستمع لهم بحجة ظاهرة. على صحة ما هم فيه من الفعال والمقال، أي: وليس لهم سبيل إلى ذلك، فليسوا على شيء، ولا لهم دليل. ثم قال منكرا عليهم فيما نسبوه إليه من البنات، وجعلهم الملائكة إناثا، واختيارهم لأنفسهم الذكور على الإناث، بحيث إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم. هذا وقد جعلوا الملائكة بنات الله، وعبدوهم مع الله، فقال: {أم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗