سورة الملك · الآية ١٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: ولقد جملنا { السمآء الدنيا } التي ترونها وتليكم، { بمصبيح } وهي النجوم، على اختلافها في النور والضياء، فإنه لولا ما فيها من النجوم، لكانت سقفا مظلما، لا حسن فيه ولا جمال. ولكن جعل الله هذه النجوم زينة للسماء، [وجمالا]، ونورا وهداية يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ولا ينافي إخباره أنه زين السماء الدنيا بمصابيح، أن يكون كثير من النجوم فوق السماوات السبع، فإن السماوات شفافة، وبذلك تحصل الزينة للسماء الدنيا، وإن لم تكن الكواكب فيها، { وجعلنها } أي: المصابيح { رجوما للشيطين } الذين يريدون استراق خبر السماء، فجعل الله هذه النجوم حراسة للسماء عن تلقف الشياطين أخبار الأرض، فهذه الشهب التي ترمى من النجوم، أعدها الله في الدنيا للشياطين، { وأعتدنا لهم } في الآخرة { عذاب السعير } لأنهم تمردوا على الله، وأضلوا عباده، ولهذا كان أتباعهم من الكفار مثلهم، قد أعد الله لهم عذاب السعير، فلهذا قال: { وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير } الذي يهان أهله غاية الهوان، { إذآ ألقوا فيها } على وجه الإهانة والذل { سمعوا لها شهيقا } أي: صوتا عاليا فظيعا، { تكاد تميز من الغيظ } أي: تكاد على اجتماعها أن يفارق بعضها بعضا، وتتقطع من شدة غيظها على الكفار، فما ظنك ما تفعل بهم، إذا حصلوا فيها؟!! ثم ذكر توبيخ الخزنة لأهلها، فقال: { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم يأتكم نذير }؟ أي: حالكم هذا واستحقاقكم النار، كأنكم لم تخبروا عنها، ولم تحذركم النذر منها، { قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير } فجمعوا بين تكذيبهم الخاص، والتكذيب العام بكل ما أنزل الله ولم يكفهم ذلك، حتى أعلنوا بضلال الرسل المنذرين وهم الهداة المهتدون، ولم يكتفوا بمجرد الضلال، بل جعلوا ضلالهم، ضلالا كبيرا، فأي عناد وتكبر وظلم، يشبه هذا؟ { وقالوا } معترفين بعدم أهليتهم للهدى والرشاد: { لو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: {و} أعتدنا {للذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير} أي: بئس المآل والمنقلب. {إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا} قال ابن جرير: يعني الصياح. {وهي تفور} قال الثوري: تغلي بهم كما يغلي الحب القليل في الماء الكثير. وقوله: {تكاد تميز من الغيظ} أي: يكاد ينفصل بعضها من بعض، من شدة غيظها عليهم وحنقها بهم، {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} يذكر تعالى عدله في خلقه، وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه، كما قال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] وقال تعالى: {حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر: 71] . وهكذا عادوا على أنفسهم بالملامة، وندموا حيث لا تنفعهم الندامة، فقالوا: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} أي: لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو نسمع ما أنزله الله من الحق، لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله والاغترار به، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم، قال الله تعالى: {فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير} قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري الطائي قال: أخبرني من سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم" (1) وفي حديث آخر: "لا يدخل أحد النار، إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة" (2) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/١٧٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
كانوا يدعوننا إليه ما كنا اليوم {في أصحاب السعير} [الملك: 10] يعني أهل النار.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/١٢٥) ↗التحرير والتنوير
والظرفية مجازية لتشبيههم تمحضهم للضلال بإحاطة الظرف بالمظروف. [10] 10] وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (10) أعيد فعل القول للإشارة إلى أن هذا كلام آخر غير الذي وقع جوابا عن سؤال خزنة جهنم وإنما هذا قول قالوه في مجامعهم في النار تحسرا وتندما، أي وقال بعضهم لبعض في النار فهو من قبيل قوله تعالى: حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا [الأعراف: 38] إلخ. لتأكيد الإخبار على حسب الوجهين المتقدمين في موقع جملة إن أنتم إلا في ضلال كبير [الملك: 9] . وذكروا ما يدل على انتفاء السمع والعقل عنهم في الدنيا، وهم يريدون سمعا خاصا وعقلا خاصا، فانتفاء السمع بإعراضهم عن تلقي دعوة الرسل مثل ما حكى الله عن المشركين وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن [فصلت: 26] وانتفاء العقل بترك التدبر في آيات الرسل ودلائل صدقهم فيما يدعون إليه. ولا شك في أن أقل الناس عقلا المشركون لأنهم طرحوا ما هو سبب نجاتهم لغير معارض يعارضه في دينهم، إذ ليس في دين أهل الشرك وعيد على ما يخالف الشرك من معتقدات، ولا على ما يخالف أعمال أهله من الأعمال، فكان حكم العقل قاضيا بأن يتلقوا ما يدعوهم إليه الرسل من الإنذار بالامتثال إذ لا معارض له في دينهم لولا الإلف والتكبر بخلاف حال أهل الأديان أتباع الرسل الذين كانوا على دين فهم يخشون إن أهملوه أن لا يغني عنهم الدين الجديد شيئا فكانوا إلى المعذرة أقرب لولا أن الأدلة بعضها أقوى من بعض. وذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: أم تأمرهم أحلامهم بهذا من [سورة الطور: 32] عن كتاب الحكيم الترمذي أنه أخرج حديثا «أن رجلا قال: يا رسول الله ما أعقل فلانا النصراني، فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: مه، إن الكافر لا عقل له أما سمعت قول الله تعالى: وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير قال وفي حديث ابن عمر فزجره النبيء صلى الله عليه وسلم وقال: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗