سورة التحريم · الآية ٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا عتاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، حين حرم على نفسه سريته " مارية " أو شرب العسل، مراعاة لخاطر بعض زوجاته، في قصة معروفة، فأنزل الله [تعالى] هذه الآيات { يأيها النبي } أي: يا أيها الذي أنعم الله عليه بالنبوة والوحي والرسالة { لم تحرم مآ أحل الله لك } من الطيبات التي أنعم الله بها عليك وعلى أمتك. { تبتغي } بذلك التحريم { مرضات أزواجك والله غفور رحيم } هذا تصريح بأن الله قد غفر لرسوله، ورفع عنه اللوم، ورحمه، وصار ذلك التحريم الصادر منه سببا لشرع حكم عام لجميع الأمة، فقال تعالى حاكما حكما عاما في جميع الأيمان: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } أي: قد شرع لكم، وقدر ما به تنحل أيمانكم قبل الحنث، وما به الكفارة بعد الحنث، وذلك كما في قوله تعالى: يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ولا تعتدوا [المائدة: 87] إلى أن قال: فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم [المائدة: 89]. فكل من حرم حلالا عليه، من طعام أو شراب أو سرية، أو حلف يمينا بالله، على فعل أو ترك، ثم حنث أو أراد الحنث، فعليه هذه الكفارة المذكورة، وقوله: { والله مولاكم } أي: متولي أموركم، ومربيكم أحسن تربية، في أمور دينكم ودنياكم، وما به يندفع عنكم الشر، فلذلك فرض لكم تحلة أيمانكم، لتبرأ ذممكم، { وهو العليم الحكيم } الذي أحاط علمه بظواهركم وبواطنكم، وهو الحكيم في جميع ما خلقه وحكم به، فلذلك شرع لكم من الأحكام، ما يعلم أنه موافق لمصالحكم، ومناسب لأحوالكم. [وقوله:] { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا } قال كثير من المفسرين: هي حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، أسر لها النبي صلى الله عليه وسلم حديثا، وأمر أن لا تخبر به أحدا، فحدثت به عائشة رضي الله عنهما، وأخبره الله بذلك الخبر الذي أذاعته، فعرفها صلى الله عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال سفيان الثوري وابن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرم، فعوتب في التحريم، وأمر بالكفارة في اليمين. رواه ابن جرير. وكذا روي عن قتادة، وغيره، عن الشعبي، نفسه. وكذا قال غير واحد من السلف، منهم الضحاك، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وروى العوفي، عن ابن عباس القصة مطولة. وقال ابن جرير: حدثنا سعيد بن يحيى، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب من المرأتان؟ قال: عائشة وحفصة. وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم القبطية، أصابها النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في نوبتها (1) فوجدت حفصة، فقالت: يا نبي الله، لقد جئت إلي شيئا ما جئت إلى أحد من أزواجك، في يومي، وفي دوري، وعلى فراشي. قال: "ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟ ". قالت: بلى. فحرمها وقال: "لا تذكري ذلك لأحد". فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه، فأنزل الله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} الآيات (2) فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر [عن] (3) يمينه، وأصاب جاريته (4) . وقال الهيثم بن كليب في مسنده: حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة: "لا تخبري أحدا، وإن أم إبراهيم علي حرام". فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: "فوالله لا أقربها". قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة. قال فأنزل الله: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المستخرج (5) . وقال ابن جرير: أيضا حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا هشام الدستوائي قال: كتب إلي يحيى يحدث عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تحذيرا من الله نساءه لما اجتمعن عليه في الغيرة.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٩٩) ↗التحرير والتنوير
(3) هذا تذكير وموعظة بما جرى في خلال تينك الحادثتين ثني إليه عنان الكلام بعد أن قضي ما يهم من التشريع للنبيء صلى الله عليه وسلم بما حرم على نفسه من جرائهما. وهو معطوف على جملة يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك [التحريم: 1] بتقدير واذكر. وقد أعيد ما دلت عليه الآية السابقة ضمنا بما تضمنته هذه الآية بأسلوب آخر ليبن عليه ما فيه من عبر ومواعظ وأدب، ومكارم وتنبيه وتحذير. فاشتملت هذه الآيات على عشرين معنى من معاني ذلك. إحداها ما تضمنه قوله: إلى بعض أزواجه. الثاني: قوله: فلما نبأت به. والثالث: وأظهره الله عليه. الرابع: عرف بعضه. الخامس: وأعرض عن بعض. السادس: قالت من أنبأك هذا. السابع: قال نبأني العليم الخبير. الثامن والتاسع والعاشر: إن تتوبا إلى الله إلى فإن الله هو مولاه [التحريم: 4] . الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر: وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة [التحريم: 4] . الرابع عشر والخامس عشر: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا [التحريم: 5] . السادس عشر: خيرا منكن [التحريم: 5] . السابع عشر: مسلمات [التحريم: 5] إلخ. الثامن عشر: سائحات [التحريم: 5] . التاسع عشر: ثيبات وأبكارا [التحريم: 5] ، وسيأتي بيانها عند تفسير كل آية منها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٣٥٠) ↗