سورة المنافقون · الآية ٤
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكثر المسلمون في المدينة واعتز الإسلام بها، صار أناس من أهلها من الأوس والخزرج، يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ليبقى جاههم، وتحقن دماؤهم، وتسلم أموالهم، فذكر الله من أوصافهم ما به يعرفون، لكي يحذر العباد منهم، ويكونوا منهم على بصيرة، فقال: { إذا جآءك المنافقون قالوا } على وجه الكذب: { نشهد إنك لرسول الله } وهذه الشهادة من المنافقين على وجه الكذب والنفاق، مع أنه لا حاجة لشهادتهم في تأييد رسوله، فإن { والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } في قولهم ودعواهم، وأن ذلك ليس بحقيقة منهم. { اتخذوا أيمانهم جنة } أي: ترسا يتترسون بها من نسبتهم إلى النفاق. فصدوا عن سبيله بأنفسهم، وصدوا غيرهم ممن يخفى عليه حالهم، { إنهم سآء ما كانوا يعملون } حيث أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، وأقسموا على ذلك وأوهموا صدقهم، { ذلك } الذي زين لهم النفاق { ب } سبب { أنهم } لا يثبتون على الإيمان. بل { آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون } بحيث لا يدخلها الخير أبدا، { فهم لا يفقهون } ما ينفعهم، ولا يعون ما يعود بمصالحهم، { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } من روائها ونضارتها، { وإن يقولوا تسمع لقولهم } أي: من حسن منطقهم تستلذ لاستماعه، فأجسامهم وأقوالهم معجبة، ولكن ليس وراء ذلك من الأخلاق الفاضلة والهدى الصالح، شيء، ولهذا قال: { كأنهم خشب مسندة } لا منفعة فيها، ولا ينال منها إلا الضرر المحض، { يحسبون كل صيحة عليهم } وذلك لجبنهم وفزعهم وضعف قلوبهم، والريب الذي في قلوبهم يخافون أن يطلع عليهم. فهؤلاء { هم العدو } على الحقيقة، لأن العدو البارز المتميز أهون من العدو الذي لا يشعر به، وهو مخادع ماكر، يزعم أنه ولي، وهو العدو المبين، { فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون } أي: كيف يصرفون عن الدين الإسلامي بعد ما تبينت أدلته، واتضحت معالمه، إلى الكفر الذي لا يفيدهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
النفاق لرجوعهم عن الإيمان إلى الكفران، واستبدالهم الضلالة بالهدى {فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} أي: فلا يصل إلى قلوبهم هدى، ولا يخلص إليها خير، فلا تعي ولا تهتدي. {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم} أي: كانوا أشكالا حسنة وذوي فصاحة وألسنة، إذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم (1) لبلاغتهم، وهم مع ذلك في غاية الضعف والخور والهلع والجزع والجبن؛ ولهذا قال: {يحسبون كل صيحة عليهم} أي: كلما وقع أمر أو كائنة أو خوف، يعتقدون، لجبنهم، أنه نازل بهم، كما قال تعالى: {أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا} [الأحزاب: 19] فهم جهامات وصور بلا معاني. ولهذا قال: {هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون} أي: كيف يصرفون عن الهدى إلى الضلال. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا عبد الملك بن قدامة الجمحي، عن إسحاق بن بكر (2) بن أبي الفرات، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري. عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة، وطعامهم نهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هجرا ولا يأتون الصلاة إلا دبرا، مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون، خشب بالليل، صخب بالنهار". وقال يزيد مرة: سخب بالنهار (3) يقول تعالى مخبرا عن المنافقين -عليهم لعائن الله-أنهم {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم} أي: صدوا وأعرضوا عما قيل لهم، استكبارا عن ذلك، واحتقارا لما قيل لهم ولهذا قال: {ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون} ثم جازاهم على ذلك فقال: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} كما قال في سورة "براءة" وقد تقدم الكلام على ذلك، وإيراد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
خلقها وحسن صورها {وإن يقولوا تسمع لقولهم} [المنافقون: 4] PageEndV22P653 يقول جل ثناؤه: وإن يتكلموا تسمع كلامهم يشبه منطقهم منطق الناس. {كأنهم خشب مسندة} [المنافقون: 4] يقول: كأن هؤلاء المنافقين خشب مسندة لا خير عندهم ولا فقه لهم ولا علم، وإنما هم صور بلا أحلام، وأشباح بلا عقول.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٦٥٢) ↗التحرير والتنوير
بعلاقة الصورة وهو كإسناد فعل يحذر في قوله تعالى: يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة الآية، في سورة براءة [64] . وعلى هذا الاعتبار يجوز أن يكون ثم مستعملا في معنييه الأصلي والمجازي على ما يناسب محمل فعل آمنوا. ولو حمل المنافقون على واحد معين وهو عبد الله بن أبي جاز أن يكون ابن أبي آمن ثم كفر فيكون إسناد آمنوا حقيقة وتكون ثم للتراخي في الزمان. وتفريع فهم لا يفقهون على قوله: آمنوا ثم كفروا، فصار كفرهم بعد الإيمان على الوجوه السابقة سببا في سوء أعمالهم بمقتضى باء السببية، وسببا في انتفاء إدراكهم الحقائق النظرية بمقتضى فاء التفريع. والفقه: فهم للحقائق الخفية. والمعنى: أنهم لا يدركون دلائل الإيمان حتى يعلموا حقيته. [4] 4] وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون (4) وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة. هذا انتقال إلى وضح بعض أحوالهم التي لا يبرزونها إذا جاؤوا إلى النبيء صلى الله عليه وسلم ولكنها تبرز من مشاهدتهم، فكان الوضح الأول مفتتحا ب إذا جاءك المنافقون [المنافقون: 1] وهذا الوضح مفتتحا ب إذا رأيتهم. فجملة وإذا رأيتهم معطوفة على جملة فهم لا يفقهون [المنافقون: 3] واقعة موقع الاحتراس والتتميم لدفع إيهام من يغره ظاهر صورهم. واتبع انتفاء فقه عقولهم بالتنبيه على عدم الاغترار بحسن صورهم فإنها أجسام خالية عن كمال الأنفس كقول حسان ولعله أخذه من هذه الآية: لا بأس بالقوم من طول ومن غلظ ... جسم البغال وأحلام العصافير وتفيد مع الاحتراس تنبيها على دخائلهم بحيث لو حذف حرف العطف من
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٢٣٨) ↗