البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة المنافقون · الآية ٢

﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكثر المسلمون في المدينة واعتز الإسلام بها، صار أناس من أهلها من الأوس والخزرج، يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ليبقى جاههم، وتحقن دماؤهم، وتسلم أموالهم، فذكر الله من أوصافهم ما به يعرفون، لكي يحذر العباد منهم، ويكونوا منهم على بصيرة، فقال: { إذا جآءك المنافقون قالوا } على وجه الكذب: { نشهد إنك لرسول الله } وهذه الشهادة من المنافقين على وجه الكذب والنفاق، مع أنه لا حاجة لشهادتهم في تأييد رسوله، فإن { والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } في قولهم ودعواهم، وأن ذلك ليس بحقيقة منهم. { اتخذوا أيمانهم جنة } أي: ترسا يتترسون بها من نسبتهم إلى النفاق. فصدوا عن سبيله بأنفسهم، وصدوا غيرهم ممن يخفى عليه حالهم، { إنهم سآء ما كانوا يعملون } حيث أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، وأقسموا على ذلك وأوهموا صدقهم، { ذلك } الذي زين لهم النفاق { ب } سبب { أنهم } لا يثبتون على الإيمان. بل { آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون } بحيث لا يدخلها الخير أبدا، { فهم لا يفقهون } ما ينفعهم، ولا يعون ما يعود بمصالحهم، { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } من روائها ونضارتها، { وإن يقولوا تسمع لقولهم } أي: من حسن منطقهم تستلذ لاستماعه، فأجسامهم وأقوالهم معجبة، ولكن ليس وراء ذلك من الأخلاق الفاضلة والهدى الصالح، شيء، ولهذا قال: { كأنهم خشب مسندة } لا منفعة فيها، ولا ينال منها إلا الضرر المحض، { يحسبون كل صيحة عليهم } وذلك لجبنهم وفزعهم وضعف قلوبهم، والريب الذي في قلوبهم يخافون أن يطلع عليهم. فهؤلاء { هم العدو } على الحقيقة، لأن العدو البارز المتميز أهون من العدو الذي لا يشعر به، وهو مخادع ماكر، يزعم أنه ولي، وهو العدو المبين، { فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون } أي: كيف يصرفون عن الدين الإسلامي بعد ما تبينت أدلته، واتضحت معالمه، إلى الكفر الذي لا يفيدهم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… فيما حلفوا، وهي اليمين الغموس، ولا سيما في مثل حالهم اللعين، عياذا بالله منه (1) فإنهم كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا جاءوا الرسول حلفوا بالله [له] (2) أنهم مؤمنون، وهم في ذلك يعلمون أنهم يكذبون فيما حلفوا به؛ لأنهم لا يعتقدون صدق ما قالوه، وإن كان في نفس الأمر مطابقا؛ ولهذا شهد الله بكذبهم في أيمانهم وشهادتهم لذلك. ثم قال: {أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون} أي: أرصد الله لهم على هذا الصنيع العذاب الأليم على أعمالهم السيئة، وهي موالاة الكافرين ونصحهم، ومعاداة المؤمنين وغشهم؛ ولهذا قال تعالى {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله} أي: أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، واتقوا بالأيمان الكاذبة، فظن كثير ممن لا يعرف حقيقة أمرهم صدقهم فاغتر بهم، فحصل بهذا صد عن سبيل الله لبعض الناس {فلهم عذاب مهين} أي: في مقابلة ما امتهنوا من الحلف باسم الله العظيم في الأيمان الكاذبة الحانثة. ثم قال: {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} أي: لن يدفع ذلك عنهم بأسا (3) إذا جاءهم، {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ثم قال: {يوم يبعثهم الله جميعا} أي: يحشرهم يوم القيامة عن آخرهم فلا يغادر منهم أحدا، {فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء} أي: يحلفون بالله (4) عز وجل، أنهم كانوا على الهدى والاستقامة، كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا؛ لأن من عاش على شيء مات عليه وبعث عليه، ويعتقدون أن ذلك ينفعهم عند الله كما كان ينفعهم عند الناس، فيجرون عليهم الأحكام الظاهرة؛ ولهذا قال: {ويحسبون أنهم على شيء} أي: حلفهم ذلك لربهم، عز وجل. ثم قال منكرا عليهم حسبانهم (5) {ألا إنهم هم الكاذبون} فأكد الخبر عنهم بالكذب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا زهير، عن (6) سماك بن حرب، حدثني سعيد بن جبير؛ أن ابن عباس حدثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ظل …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

بغشهم المسلمين. ونصحهم لأعدائهم من اليهود.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٤٨٩) ↗

التحرير والتنوير

2] اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) استئناف بياني لأن تكذيب الله تعالى إياهم في قولهم للنبيء صلى الله عليه وسلم: نشهد إنك لرسول الله [المنافقون: 1] يثير في أنفس السامعين سؤالا عن أيمانهم لدى النبيء صلى الله عليه وسلم بأنهم مؤمنون به وأنهم لا يضمرون بغضه فأخبر الله عنهم بأنهم اتخذوا أيمانهم تقية يتقون بها وقد وصفهم الله بالحلف بالأيمان الكاذبة في آيات كثيرة من القرآن. والجنة: ما يستتر به ويتقى ومنه سميت الدرع جنة. والمعنى: جعلوا أيمانهم كالجنة يتقى بها ما يلحق من أذى. فلما شبهت الأيمان بالجنة على طريقة التشبيه البليغ، أتبع ذلك بتشبيه الحلف باتخاذ الجنة، أي استعمالها، ففي اتخذوا استعارة تبعية، وليس هذا خاصا بحلف عبد الله بن أبي أنه قال: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل» ، كما تقدم في ذكر سبب نزولها، بل هو أعم، ولذلك فالوجه حمل ضمائر الجمع في قوله: اتخذوا أيمانهم الآية على حقيقتها، أي اتخذ المنافقون كلهم أيمانهم جنة، أي كانت تلك تقيتهم، أي تلك شنشنة معروفة فيهم. فصدوا عن سبيل الله تفريع لصدهم عن سبيل الله على الحلف الكاذب لأن اليمين الفاجرة من كبائر الإثم لما فيها من الاستخفاف بجانب الله تعالى ولأنهم لما حلفوا على الكذب ظنوا أنهم قد أمنوا اتهام المسلمين إياهم بالنفاق فاستمروا على الكفر والمكر بالمسلمين وذلك صد عن سبيل الله، أي إعراض عن الأعمال التي أمر الله بسلوكها. وفعل (صدوا) هنا قاصر الذي قياس مضارعه يصد بكسر الصاد. وجملة إنهم ساء ما كانوا يعملون تذييل لتفظيع حالهم عن السامع. وساء من أفعال الذم تلحق ببئس على تقدير تحويل صيغة فعلها عن فعل المفتوح العين إلى فعل المضمومها لقصد إفادة الذم مع إفادة التعجب بسبب ذلك التحويل كما نبه عليه صاحب «الكشاف» وأشار إليه صاحب «التسهيل» .

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٢٣٦) ↗